17 -الحَدِيثُ الأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) ).
الكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: اسْتَدَلَّ بَعْضُ الأُصُولِيِينَ بِهِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لِلوُجُوبِ، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ أنَّ كَلِمَةَ (( لَوْلَا ) )تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الأَمْرِ لِوُجُودِ المَشَقَّةِ، وَالمُنْتَفِي لِأَجْلِ المَشَقَّةِ إِنَّمَا هُو الوُجُوبُ لا الاسْتِحْبَابُ، فَإِنَّ اسْتِحْبَابَ السِّوَاكِ ثَابِتٌ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ لِلوجُوبِ.
الثَّانِي: السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِي حَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيثُ، وَهُو القِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَالسرُّ فِيهِ أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَكُونَ فِي حَالَةِ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ، إِظْهَارًا لِشَرَفِ العِبَادَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالمَلَكِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَضَعُ فَاهُ عَلَى فِيِّ القَارِئِ، وَيَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ، فَسُنَّ السِّوَاكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالحَدِيثِ مَذْهَبُ مَن يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالاجْتِهَادِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى النَّصِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ المَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ الحُكْمُ مَوقُوفًا عَلَى النَّصِ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمَ وُرودِ النَّصِ بِهِ، لَا وُجُودُ المَشَقَّةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلبَحْثِ وَالتَّأْوِيلِ.
الرَّابِعُ: الحَدِيثُ بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فِي الصَلَاتَينِ الوَاقِعَتَينِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ مَن يَرَى ذَلِكَ، وَمَن يُخَاِلفُ فِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ خَاصٍّ بِهَذَا الوَقْتِ، يَخُصُّ بِهِ ذَلِكَ العُمُومَ، وَهُوَ حَدِيثُ الخُلُوفِ، وَفِيهِ بَحْثٌ.
18 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
قَالَ المُؤلِفُ، رَحِمَهُ اللهُ ,: (( يَشُوصُ ) )مَعْنَاهُ: يَغْسِلُ، يُقَالُ: شَاصَهُ يَشُوصُهُ، وَمَاصَهَ يَمُوصُهُ، إِذَا غَسَلَهُ.
(( حُذَيْفَةُ ) )بنُ اليَمَانِ اسْمُهُ حُسَيْلُ بنُ جَابِرٍ، وَقِيلِ: حُذَيْفَةُ بنُ الحُسَيْلِ بنِ الْيَمَانِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ العَبْسِيُّ، مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الكُوفَةِ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَشَاهِيرِهِمْ. قَالَ البُخَارِيُّ: مَاتَ بَعْدَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ يَومًا. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثيِنَ. وَقَال الوَاقِدِيُّ: حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَانِ بْنِ حُسَيْلِ بنِ جَابرٍ العَبْسِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ وَابنُ أُخْتِهِمْ.
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ الأُخْرَى، وَهِيَ القِيَامُ مِن النَّومِ، وَعِلَّتُهُ أَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتَغَيُّرِ الفَمِ، وَالسِّوَاكُ هُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ لِلفَمِ، فَيُسَنُّ عِنْدَ مُقْتَضَى التَّغَيُّرِ. وَقَوْلُهُ: (( يَشُوصُ ) )اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: يُدَلِّكُ، وَقِيلَ: يَغْسِلُ، وَقِيلَ: يُنَقِّي،