فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 381

(( العَنَزَةُ ) )الحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ، وَكَأَنَّ حَمْلَهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لاحْتِمَالِ أَنْ يَتَوَضَّأََ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّي، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهَا كَانَت تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَالكَلَامُ عَلَى (( الخَلَاءِ ) )قَدْ تَقَدَّمَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هَهُنَا مُجَرَّدُ قَضَاءِ الحَاجَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي يُنَاسِبُهُ المَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَمْلِ العَنَزَةِ للصَّلَاةِ، فَإِنَّ السُتْرَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي البَرَاحِ مِن الأَرْضِ، حَيْثُ يُخْشَى المُرُورُ. وُيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ المَكَانُ المُعَدُّ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فِي البُنْيَانِ، وَهَذَا لا يُنَاسِبُهُ المَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَمْلِ العَنَزِةِ، وَيَتَرَجَّحُ الأَوَّلُ بِأَنَّ خِدْمَةَ الرِّجَالِ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا المَعْنَى مُنَاسِبَةٌ للسَّفَرِ، فَإِنَّ الحَضَرَ يُنَاسِبُهُ خِدْمَةُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِن نِسَائِهِ وَنَحْوِهِنَّ.

وَيُؤخَذُ مِن هَذَا الحَدِيثِ اسْتِخْدَامُ الأحَرْارِ مِن النَّاسِ إِذَا كَانُوا أَتْبَاعًا وَأَرْصَدُوا أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ. وَفِيهِ أَيضًا جَوَازُ الاسْتِعَانَةِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَمَقْصُودُهُ الأَكْبَرُ الاسْتِنْجَاءُ بِالمَاءِ، وَلا يُخْتَلَفُ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَد رُوِيَ عَن سَعِيدِ بنِ المُسَّيبِ لَفْظٌ يَقْتَضِي تَضْعِيفَهُ للرَّجِالِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ، فَقَالَ: (( إِنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ ) )، أَوْ قَالَ: (( ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ ) )، وَعَنْ غَيْرِهِ مِن السَّلَفِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَالسُّنَّةُ دَلَّتْ عَلَى الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ، كَمَا فِي هَذَا الحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، فَهِي أَوْلَى بِالاتِّبَاعِ، وَلَعَلَّ سَعْيدًا - رَحِمَهُ اللهُ - فَهِمَ مِن أَحَدٍ غُلُوًّا فِي هَذَا البَابِ، بِحَيْثُ يَمْنَعُ الاسْتِنْجَاءَ بِالحِجَارَةِ، فَقَصَدَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا اللَّفْظَ، لإِزَالَةِ ذَلِكَ الغُلُوِّ، وَبَالَغَ بِإيرَادِهِ إِيَّاهُ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ - وَهُو ابنُ حَبِيبٍ - إِلَى أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ بِالحِجَارَةِ إِنَّمَا هُو عِنْدَ عَدَمِ المَاء، وَإِذَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ، فَلا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فِي زَمَنِ سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا استُحِبَ الاستْنِجَاءُ بِالمَاءِ لإِزَالَةِ العَيْنِ وَالأَثَرِ مَعًا، فَهُو أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ.

15 -الحَدِيثُ الخَامِسُ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - الحَارِثِ بنِ رِبْعِيٍّ - الأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ مِن الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ) ).

(( أَبُو قَتَادَةَ ) )الحَارِثُ بنُ رِبْعيٍّ بنِ بَلْدَمَةَ - بِفَتْحِ البَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الدَّالِ، وَيُقَالُ: بُلْدُمَةَ - بَالضَّمِّ فِيهِمَا - وَيُقَالُ: بُلْذُمَةَ - بِالذَّالِ المُعْجَمَةِ المَضْمُومَةِ - فَارِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهِدَ أُحُدًا وَالخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، مَاتَ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: بِالكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَالأَصَحُّ الأَوَّلُ، اتَّفَقُوا عَلَى الإِخْرَاجِ لَهُ. ثُمَّ الكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهُمَا: الحَدِيثُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَن مَسِّ الذَّكَرِ بِاليَمِينِ فِي حَالَةِ البَوْلِ، وَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي النَّهْي عَن مَسِّهِ بِاليَمِينِ مُطلَقًا، مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالَةِ البَوْلِ، فَمِن النَّاسِ مَن أَخَذَ بِهَذَا العَامِّ المُطْلَقِ، وَقَدْ يَسْبِقُ إِلَى الفَهْمِ أَنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى المُقَيَّدِ، فَيَخْتَصُّ النَّهِيُ بِهَذِهِ الحَالَةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لأَنَّ هَذَا الَّذِي يُقَالُ يَتَّجِهُ فِي بَابِ الأَمْرِ وَالإِثْبَاتِ، فَإِنَّا لَو جَعَلْنَا الحُكْمَ لِلمُطْلَقِ، أَو العَامِّ فِي صُورَةِ الإِطْلَاقِ، أَو العُمُومِ مَثَلًا، كَانَ فِيهِ إِخْلَالٌ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى المُقَيَّدِ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الأَمْرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَأَمَّا فِي بَابِ النَّهْي، فَإِنَّا إِذَا جَعَلْنَا الحُكْمَ لِلمُقَيَّدِ أَخْلَلْنَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ المُطْلَقِ، مَعَ تَنَاوُلِ النَّهْيِ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ.

هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ مُرَاعَاةِ أَمْرٍ مِن صِنَاعَةِ الحَدِيثِ، وَهُو أَنْ يُنْظَرَ في الرِّوَايَتَينِ، هَلْ هُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَو حَدِيثَانِ؟ وَلَكَ أَيضًا بَعْدَ النَّظَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت