عقابِ الكبيرةِ. فكأنَّهُ كالمعدومِ المحبَطِ، وإن كانَ الصومُ ههنَا ليسَ من المُحبَطاتِ، ولكنَّ المقصودَ: التشبيهُ فِي أنَّ ما قلَّ جدًّا قد يجعلُ كالمعدومِ مبالغةً، وهذا قدْ يوجدُ مثلُه فِي التصرُّفاتِ الوجوديَّةِ، وأعمالِ الناسِ فِي مقابلتِهمْ حسناتِ من يفعلُ معهم منها شيئًا بسيئاتهِ، ويجعلُ اليسيرَ منها جدًّا كالمعدومِ بالنسبةِ إِلَى الإحسانِ والإساءةِ، كحجَامةِ الأبِ لوالدهِ فِي دفعِ المرضِ الأعظمِ عنهُ. فإنهُ يُعَدُّ مُحسِنًا مطلقًا، ولا يُعدُّ مسيئًا بالنِّسبةِ إِلَى إيلامِه بالحجامةِ، ليَسَارَةِ ذلكَ الأَلَمِ بالنِّسبَةِ إِلَى دفْعِ المرَضِ الشَّديدِ.
191 -الحديثُ السَّادسُ: عنْ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا، قَالَتْ: كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ منْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ.
فيهِ دليلٌ علَى جوازِ تأخيرِ قَضَاءِ رمضانَ فِي الجملةِ، وأنه موسَّعُ الوقتِ، وقدْ يؤخذُ منهُ: أنَّهُ لا يؤخَّرُ عن شعبانَ حتَّى يدخلَ رمضانُ ثانٍ. وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ فِي وجوبِ الإطعامِ على منْ أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتَّى دخلَ رمضانُ ثانٍ: فَمِمَّا لا يتعلَّقُ بهذَا الحديثِ، وقد تبيَّنَ فِي أُخرَى عن عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا أنَّ هذَا التَّأخيرَ كانَ للشُّغلِ برسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
192 -الحديثُ السّابعُ: عنْ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ) )، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا فِي النَّذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
ليسَ هذا الحديثُ مِمَّا اتفقَ الشيخانِ على إخراجِه، وهو دليلٌ بعمومِهِ على أنَّ الوليَّ يصومُ عن الميِّتِ، وأنَّ النِّيابةَ تدخلُ فِي الصَّومِ، وذهبَ إليهِ قومٌ وهوَ قولٌ قديمٌ للشافعيِّ. والجديدُ الذي عليهِ الأكثرونَ: عدمُ دخولِ النِّيابةِ فيهِ لأَّنهَا عبادةٌ بدنيَّةٌ. والحديثُ لا يقتضِي التَّخصيصَ بالنَّذرِ، كمَا ذكرَ أبو داودَ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ. نَعَمْ قدْ وردَ فِي بعضِ الرِّواياتِ: ما يَقْتضِي الإذنَ فِي الصَّومِ عن منْ ماتَ وعليهِ نذرٌ بصومٍ. وليسَ ذلكَ بمُقتضٍ للتخصيصِ بصورةِ النذرِ. وقد تكلَّمَ الفقهاءُ فِي المعتبرِ فِي الوَلايةِ، على ما وردَ فِي لفظِ الخَبرِ، أهو مطلقُ القرابةِ، أوْ بشرطِ العصوبةِ، أو الإرثِ؟ وتوقَّفَ فِي ذلكَ إمامُ الحرمينِ. وقالَ: لا نقلَ عندِي فِي ذلكَ. وقال غيرُهُ من فُضَلاءِ المتأخِّرينَ: وأنتَ إذا فحصتَ عن نظائرهِ، وجدتَ الأشبهَ اعتبارَ الإرثِ.
وقولُه: (( صامَ عنهُ وليُّه ) )قيلَ: ليسَ المرادُ أنَّهُ يلزمهُ ذلكَ. وإنَّمَا يجوزُ ذلكَ لهُ إنْ أرادَ. هكذَا ذكرهُ صاحبُ التَّهذيبِ من مصنِّفي الشَّافعيةِ. وحكاهُ إمامُ الحرمينِ عنِ أبيهِ أبي مُحمّدٍ. وَفِي هذا بحثٌ. وهو أنَّ الصيغةَ صيغةُ خبرٍ، أعني (( صامَ ) )ويمتنعُ الحملُ على ظاهرهِ. فينصرفُ إِلَى الأمرِِ. ويبقَى النظرُ فِي أنَّ الوجوبَ متوقِّفٌ على صيغةِ الأمرِ المعيَّنةِ. وَفِي (( افعلْ ) )مثلًا، أو يعمُّها معَ ما يقومُ مقامَها.
وقد يؤخذُ منَ الحديثِ: أنَّهُ لا يصومُ عنهُ الأجنبيُّ، إمَّا لأجلِ التَّخصيصِ، معَ مناسبةِ الوَلايةِ لذلكَ، وإما لأنَّ الأصلَ: عدمُ جوازِ النِّيابةِ فِي الصَّومِ؛ لأنهُ عبادةٌ لا يدخلُها النِّيابةُ فِي الحياةِ. فلا تدخلُها بعدَ الموتِ كالصلاةِ. وإذا كانَ الأصلُ عدمَ جوازِ النِّيابةِ: وجبَ أنْ يُقتصَرَ فيهَا على ما وردَ فِي الحديثِ. ويجرِي فِي الباقِي علَى القياسِ. وقدْ قالَ أصحابُ الشافعيِّ: لوْ أمرَ الوليُّ أجنبيًّا أن يصومَ عنهُ بأُجْرَةٍ، أو بغيرِ أجرةٍ جازَ، كمَا فِي الحجِّ. فلو استقلَّ بهِ الأجنبيُّ، فَفِي إجزائهِ وجهانِ. أظهرهُمَا: المنعُ. وأمَّا إلحاقُ غيرِ الصَّومِ بالصَّومِ. فإنَّمَا يكونُ بالقياسِ. وليسَ أخذُ الحكمِ عنهُ من نصِّ الحديثِ.
193 -الحديثُ الثَّامنُ: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، رضيَ اللهُ عنهمَا، قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،