فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 381

رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ.

وهذا تصريحٌ بأنَّ هذا الصَّومَ وقعَ فِي رمضانَ. ومذهبُ جمهورِ الفُقهاءِ: صحةُ صومِ المسافِر. والظاهريَّةُ خالفتْ فيهِ - أو بعضُهم - بناءً على ظاهرِ لفظِ القرآنِ من غيرِ اعتبارِهم للإضمارِ. وهذا الحديثُ يردُّ عليهم.

189 -الحديثُ الرَّابعُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، رضيَ اللهُ عنهمَا، قال: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (( مَا هَذَا؟ ) )قالوا: صَائمٌ، قالَ: (( لَيْسَ مِنْ البِرِّ الصِّيامُ فِي السَّفَرِ ) ).

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (( عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِى رَخَّصَ لَكُمْ ) ).

أُخِذَ من هذَا: أنَّ كراهةَ الصَّومِ فِي السَّفرِ لمنْ هوَ فِي مثلِ هذهِ الحالةِ، ممَّنْ يجهدُهُ الصَّومُ ويشقُّ عليهِ، أو يؤدِّي بهِ إِلَى ترْكِ ما هوَ أولَى من القرُباتِ. ويكونُ قولُه: (( ليسَ من البِرِّ الصيامُ فِي السَّفرِ ) )منزَّلًا على مثلِ هذه الحالةِ. والظاهريَّةُ المانعونَ من الصَّومِ فِي السَّفرِ يقولونَ: إن الَّلفظَ عامٌّ. والعبرةُ بعمومِ اللَّفْظِ لا بخصوصِ السَّببِ. ويجبُ أنْ تَتنبَّهَ للفرقِ بينَ دلالةِ السِّياقِ والقَرائنِ الدَّالةِ على تخصيصِ العامِّ، وعلى مُرادِ المتكلِّمِ، وبينَ مُجرَّدِ ورودِ العامِّ على سببٍ، ولا تُجرِيهمَا مَجرىً واحدًا. فإنَّ مجرَّدَ ورودِ العامِّ على السَّببِ لا يقتضِي التخَصيصَ بهِ. كقولِه تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدةِ: 38] بسببِ سرقةِ رداءِ صفوانَ. وأنهُ لا يقتضِي التخصيصَ بهِ بالضَّرورةِ والإجماعِ. أما السِّيَاقُ والقرائنُ: فإنهَا الدَّالةُ علَى مرادِ المتكلِّمِ من كلامِهِ. وهيَ المُرشِدةُ إِلَى بيانِ المُجمَلاتِ، وتعيينِ المحتملاتِ. فاضبطْ هذهِ القاعدَةَ. فإنها مفيدةٌ فِي مواضعَ لا تُحصَى. وانظرْ فِي قولِه عليه الصلاةُ و السلامُ: (( ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيامُ فِي السَّفَرِ ) )معَ حكايةِ هذهِ الحالةِ من أيِّ القَبيلَتين هو؟ فنزِّلْهُ عليه.

وقولُه: (( عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الّتِي رَخَّصُ لَكُمْ ) )دليلٌ علَى أَنَّهُ يُستحِبُّ التَّمسُّكُ بالرُّخصةِ إذا دعت الحاجةُ إليهَا. ولاتُتركُ على وجهِ التشديدِ على النَّفسِ والتنطُّعِ والتَّعَمُّقِ.

190 -الحديثُ الخامسُ: عن أنسِ بنِ مالكٍ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: كُنِّا مَعَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا المُفْطِرُ، قالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًا: صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنِّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكابَ، فَقَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ذَهَبَ المُفْطِرُونَ الْيَوْم بِالأَجْرِ ) ).

أمَّا قولُهُ: (( فمنَّا الصائمُ ومنَّا المفطرُ ) )فدليلٌ على جوازِ الصَّومِ فِي السَّفرِ، ووجهُ الدّلالةِ: تقريرُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصائمينَ على صومِهمْ.

وأما قولُه: (( ذهبَ المفطرونَ اليومَ بالأجرِ ) )ففيهِ أمرانِ: أحدُهما: أنهُ إذا تعارضتِ المصالحُ، قُدِّمَ أولاها وأقواها. والثاني: أنَّ قولَه عليه الصلاةُ و السلامُ: (( ذهبَ المفطرونَ اليومَ بالأجرِ ) )فيه وجهانِ: أحدُهما: أنْ يرادَ بالأَجْرِ، أجرُ تلكَ الأفعالِ التي فعلوهَا، والمصالَحِ التِي جرتْ على أيديِهمْ. ولا يُرادُ مطلقُ الأجرِ على سبيل ِ العمومِ. والثانِي: أن يكونَ أجرُهم قد بلغَ فِي الكثرةِ بالنَّسبةِ إِلَى أجرِ الصَّومِ مبلغًا ينغمرُ فيهِ أجرُ الصَّومِ فتحصُل المبالغةُ بسببِ ذلكَ. ويجعلُ كأنَّ الأجرَ كلَّه للمفطرِ. وهذا قريبٌ مِمَّا يقولُه بعضُ النَّاسِ فِي إحباطِ الأعمالِ الصَّالحةِ ببعضِ الكبائرِ، وأنَّ ثوابَ ذلكَ العملِ صارَ مغمورًا جدًّا بالنِّسبةِ إِلَى ما يحصُل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت