الفعلَ للوُجوبِ.
58 -الحَديثُ الأَوَّلُ: عَن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( صَلاةُ الجَماعةِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ الفَذِّ بسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) ).
الكَلامُ عليهِ مِن وُجوهٍ.
أحَدُهُا: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ صَلاةِ الفَذِّ، وَأنَّ الجَمَاعةَ لَيسَتْ بِشَرْطٍ. وَوَجْهُ الدَّليلِ مِنْهُ: أنَّ لَفْظَةَ (( أَفْعَلَ ) )تَقْتَضِي وُجودَ الاشْتِرَاكِ فِي الأَصْلِ معَ التَّفاضُلِ فِي أَحَدِ الجَانِبَينِ. وَذَلِكَ يقتَضِي وُجودَ فَضِيلَةٍ فِي صَلاةِ الفَذِّ. وَمَا لا يَصِحُّ فَلا فَضِيلَةَ فِيهِ. وَلا يُقَالُ: إِنَّهُ قَد وَرَدَتْ صِيغَةُ (( أَفْعَلَ ) )مِن غَيرِ اشتراكٍ فِي الأصْلِ. لأنَّ هَذَا إِنَّما يَكُونُ عِندَ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا التَّفَاضُلُ بِزِيادَةِ عَددٍ فَيَقْتَضِي بيانًا. وَلابُدَّ أنْ يكونَ ثَمَّةَ جُزْءٌ مَعْدُودٌ يَزِيدُ عَليهِ أجْزَاءٌ أُخَرُ. كَمَا إِذَا قُلْنَا: هَذَا العَددُ يَزِيدُ عَلَى ذَاكَ بِكَذَا وَكَذَا مِن الآحَادِ. فَلاَبُدَّ مِن وُجُودِ أَصْلِ العَدَدِ، وَجُزْءٍ مَعْلُومٍ فِي الآخَرِ، وَمِثْلُ هَذَا. وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْهُ: مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى (( تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ وَحدَهُ، أَو تُضَاعَفُ ) )فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ شَيءٍ يُزَادُ عَلَيْهِ، وَعَدَدًا يُضَاعَفُ. نَعَمْ يُمْكِنُ مَن قَالَ بِأنَّ صَلاةَ الفَذِّ مِن غَيْرِ عُذْرٍ لا تَصِحُّ - وَهُوَ دَاوُدُ عَلَى ما نُقِلَ عَنْهُ - أنْ يَقُولَ: التَّفَاضُلُ يَقَعُ بَينَ صَلاةِ المَعْذُورِ فَذًّّا وَالصَّلاةُ فِي جَمَاعَةٍ. وَلَيسَ يَلْزمُ إذَا وَجَدْنَا مَحْمَلًا صَحِيحًا لِلحَدِيثِ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ (( الفَذَّ ) )مُعرَّفٌ بِالألِفِ واللَّامِ. فإذا قُلْنا بِالعُمُومِ دَلَّ ذَلكَ عَلَى فَضِيلَةِ صَلاةِ الجماعةِ عَلَى صلاةِ كُلِّ فَذٍّ. فَيدخلُ تَحْتَهُ الفَذُّ المُصَلِّي مِن غَيرِ عُذْرٍ.
الثَّانِي: قَد وَرَدَ فِي هَذَا الحَدِيثِ التَّفْضِيلُ (( بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) )، وَفِي غَيْرِهِ التَّفْضِيلُ (( بِخَمْسٍ وَعِشْرينَ جُزْءًا ) )فَقِيلَ فِي طَرِيقِ الجَمْعِ: إِنَّ الدَّرَجَةَ أَقَلُّ مِن الجُزْءِ، فَتَكُونُ الخَمْسُ وَالعِشْرُونَ جُزْءًا سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَقِيلَ: بَل هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الجَمَاعَاتِ، وَأَوْصَافِ الصَّلاةِ. فَمَا كَثُرَتْ فَضِيلَتُهُ عَظُمَ أَجْرُهُ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الصَّلَواتِ. فَمَا عَظُمَ فَضْلُهُ مِنْهَا عَظُمَ أجْرُهُ. وَمَا نَقَصَ عَن غَيْرِهِ نَقَصَ أَجْرُهُ. ثُمَّ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ: الزِّيَادَةُ لِلصُّبْحِ وَالعَصْرِ. وَقِيلَ: لِلصُّبْحِ وَالعِشَاءِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتِلَفَ بِاخْتِلَافِ الأَمَاكِنِ كَالمَسْجِدِ مَعَ غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: قَد وَقَعَ بَحْثٌ فِي أَنَّ هَذِهِ (( الدَّرَجَاتِ ) )هَلْ هِيَ بِمَعْنَى الصَّلَوَاتِ؟ فَتَكُونُ صَلاةُ الجَمَاعَةِ بِمَثَابَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةً، أَو سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ يُقالُ: إِنَّ لَفْظَ (( الدَّرَجَةِ ) )وَ (( الجُزْءِ ) )لا يَلْزَمُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ الصَّلاةِ؟ وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لأَنَّهُ وَرَدَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوايَاتِ وَكَذَلِكَ لَفْظُهُ (( تُضَاعَفُ ) )مُشْعِرٌ بِذَلكَ.
الرَّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَسَاوِي الجَمَاعَاتِ فِي الفَضْلِ. وُهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ. قِيلَ: وَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّهُ