وَبَدَّلَتْنِي بِالشِّطَاطِ الْجَنَى ... وَكُنْتُ كَالصَّعْدَةِ تَحْتَ السِّنَانِ
وفى كلامِ بعضِهم ما يُشْعِرُ بأنَّ اللفظةَ بالحاءِ، يُقَالُ: حَنَا الرَّجُلُ يَحْنُو، إذا أَكَبَّ على الشَّيْءِ. قالَ الشاعرُ:
· حُنُوَّ الْعَابِدَاتِ عَلَى وِسَادِي *
354 -الحديثُ السادسُ: عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ قالَ:"لَوْ أَنَّ رَجُلًا -أَوْ قَالَ: امْرَأً- اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ".
أَخَذَ الشافعيُّ وغيرُهُ بظاهرِ الحديثِ. وأَبَاهُ المالكِيَّةُ وقالوا: لا يَقْصِدُ عينَهُ ولا غيرَها. وقيلَ: يجبُ القَوَدُ إنْ فعلَ، وهذا مُخالِفٌ للحديثِ، وممَّا قِيلَ في تعليلِ المنعِ أنَّ المعصيَةَ لا تُدْفَعُ بالمعصيةِ. وهذا ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّهُ يُمْنَعُ كونُهُ معصيةً في هذهِ الحالةِ. ويلْحَقُ ذلكَ بدَفْعِ الصَّائِلِ. وإنْ أُرِيدَ بكونِهَا معصيةً النظَرُ إلى ذاتِها، مع قَطْعِ النظَرِ عن هذا السببِ فهوَ صحيحٌ؛ لكنَّهُ لا يُفِيدُ.
وتصَرَّفَ الفقهاءُ في هذا الحُكْمِ بأنواعٍ من التصَرُّفَاتِ.
منها: أنْ يُفَرَّقَ بينَ أنْ يكونَ هذا النَّاظِرُ واقفًا في الشارعِ، أو في خَالِصِ مِلكِ المنظورِ إليهِ، أو في سِكَّةٍ مُنْسَدَّةِ الأسفلِ. اختلفُوا فيهِ. والأشهرُ أنْ لا فَرْقَ، ولا يجوزُ مدُّ العَيْنِ إلى حُرَمِ الناسِ بحالٍ. وفى وجهٍ للشافعيَّةِ أنَّهُ لا يَقْصِدُ إلا عَيْنَ مَن وقفَ في مِلْكِ المنظورِ إليهِ.
ومنها: أنَّهُ هلْ يجوزُ رميُ الناظرِ قَبْلَ النهيِّ والإنذارِ؟ فيهِ وجهانِ للشافعيَّةِ. أحدُهما: لا. على قياسِ الدَّفْعِ في الْبَدَاءَةِ بالأهونِ فالأهونِ. والثاني: نعمْ. وإطلاقُ الحديثِ مُشْعِرٌ بهذَيْنِ الأمرَيْنِ معًا، أعنى أنَّهُ لا فرقَ بينَ موقفِ هذا الناظرِ، وأنهُ لا يُحْتَاجُ إلى الإنذارِ. ووردَ في هذا الحُكْمِ الثاني ما هوَ أقوى من هذا الإطلاقِ، وهوَ أنَّ النبيَّ صَلى اللَّهُ عليهِ وسلمَ كان يَخْتِلُ الناظرَ بالمِدْرَى"."
ومنها: أنَّهُ لو تَسَمَّعَ إنسانٌ، فهلْ يُلحقُ السمعُ بالنَّظَرِ؟ اختلفوا فيهِ، وفى الحديثِ إِشْعَارٌ أنَّهُ إنما يَقْصِدُ العينَ بشيءٍ خفيفٍ، كَمِدًى، وبُنْدُقَةٍ، وحَصَاةٍ. لقولِهِ:"فَحَذَفْتَهُ"قالَ الفقهاءُ: أمَّا إذا زَرَقَهُ بالنُّشَّابِ، أو رمَاهُ بحجرٍ يقتلُهُ فقتَلَهُ، فهذا قَتْلٌ يتعلَّقُ بالقِصَاصِ أو الدِّيَةِ.
وممَّا تصرَّفَ فيهِ الفقهاءُ في أنَّ هذا الناظرَ إذا كانَ لهُ مَحْرَمٌ في الدَّارِ، أو زوجةٌ، أو متاعٌ، لم يَجُزْ قَصْدُ عَيْنِهِ؛ لأنَّ لهُ في النظرِ شُبْهَةٌ. وقِيلَ: لا يكفي أنْ يكونَ لهُ في الدارِ مَحْرَمٌ. إنَّما يُمْنَعُ قَصْدُ عينِهِ إذا لم يكُنْ فيها إلا مَحَارِمُهُ.
ومنها: أنَّهُ إذا لم يكنْ في الدارِ إلا صاحبُها فلهُ الرَّمْيُ، إنْ كانَ مكشوفَ العَوْرَةِ، ولا ضمانَ. وإلا فوجهانِ، أظهرُهُما أنَّهُ لا يجوزُ رمْيُهُ.
ومنها: أنَّ الْحُرُمَ إذا كانتْ في الدارِ مُسْتَتِرَاتٍ، أو في بيتٍ، فَفِي وَجْهٍ: لا يجوزُ قَصْدُ عينِهِ؛ لأنَّهُ لا يَطَّلِعُ على شَيْءٍ. قالَ بعضُ الفقهاءِ: الأظهرُ الجوازُ؛ لإطْلَاقِ الأخبارِ؛ ولأنَّهُ لا تَنْضَبِطُ أوقاتُ السِّتْرِ والتَّكَشُّفِ، فالاحتياطُ حَسْمُ البابِ.
ومنها: أنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ إذا لم يُقَصِّرْ صاحبُ الدَّارِ. فإنْ كانَ بابُهُ مفتوحًا، أو ثَمَّ كُوَّةٌ واسعةٌ، أو ثُلْمَةٌ مفتوحةٌ، فَنَظَرَ، فإنْ كان مُجْتَازًا لم يَجُزْ قصْدُهُ.
وإنْ وقفَ وتعمَّدَ، فقيلَ: لا يجوزُ قصْدُهُ، لتَفْرِيطِ صاحبِ الدارِ بفتحِ البابِ، وتوسيعِ الكُوَّةِ. وقيلَ: يجوزُ؛ لتعَدِّيهِ بالنَّظَرِ. وأُجرِيَ هذا الخلافُ فيما إذا نَظَرَ من سطحِ نفسِهِ، أو نَظَرَ المُؤَذِّنُ من المأْذَنَةِ، لكنَّ الأظهَرَ عندَهم هَهُنَا جوازُ الرَّمْيِ؛ لأنَّهُ لا تقصيرَ من صاحبِ الدارِ.