فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 381

هذا حُكْمٌ مشهورٌ مُتَّفَقٌ عليْهِ فيمَن لا يقاتلُ. ويُحْمَلُ هذا الحديثُ على ذلكَ لَغَلَبَةِ عدمِ القتالِ على النِّساءِ والصِّبيانِ.

ولعلَّ سرَّ هذا الْحُكْمِ: أنَّ الأصلَ عَدَمُ إتلافِ النُّفوسِ. وإنَّما أبيحَ منهُ مَا يقتضِيهِ دفعُ الْمَفْسَدَةِ. ومَن لا يقاتِلُ ولا يتأهَّلُ للقتالِ في العادةِ: ليسَ في إحداثِ الضَّررِ كالمقاتِلينَ. فرجعَ إلى الأصلِ فيهمْ. وهوَ الْمَنْعُ. هذا، معَ مَا في نفوسِ النِّساءِ والصِّبيانِ من الْمَيْلِ، وعَدَمِ التَّشَبُّثِ الشَّديدِ بما يكونونَ عليهِ كثيرًا أو غالبًا، فَرُفِعَ عنهُم القتلُ، لَعَدَمِ مَفْسَدَةِ الْمُقَاتَلَةِ في الحالِ الحاضرِ. ورجاءِ هدايتِهِمْ عِنْدَ بقائِهِمْ.

417 -الحديثُ الثَّانِي عشَرَ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ والزبيرَ بنَ الْعَوَّامِ، شَكَوُا الْقَمْلَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في غَزَاةٍ لهمَا. فَرَخَّصَ لهمَا في قميصِ الحريرِ. ورأيتُهُ عليهِمَا.

أجازُوا للمحاربِ لبسَ الدِّيبَاجِ الَّذي لا يقومُ غيرُهُ مقامَهُ في دَفْعِ السِّلاحِ. وهذا الحديثُ يدلُّ على جوازِهِ؛ لِأَجْلِ هذه المصلحةِ المذكورةِ فيهِ. ولعلَّه تَعَيَّنَ لذلكَ في دفعِهَا في ذلكَ الوقتِ. وقد سَمَّاهُ الرَّاوِي"رُخْصَةً"لأجلِ الإباحةِ، معَ قيامِ دليلِ الحظرِ.

418 -الحديثُ الثَّالثَ عشَرَ: عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: كانَتْ أموالُ بنِي النَّضِيرِ: ممَّا أَفَاءَ اللهُ على رسولِهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، ممَّا لم يُوجِف المسلمونَ عليهِ بخيلٍ ولا ركابٍ. وكانَتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ خالصًا، فكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ يَعْزِلُ نفقةَ أهلِهِ سنةً، ثم يجعلُ مَا بَقِيَ في الْكُرَاعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

قولُهُ:"كانَتْ أموالُ بنِي النَّضِيرِ ممَّا أَفَاءَ اللهُ على رسولِهِ"يَحْتَمِلُ وجهيْنِ أَحَدُهُمَا: أن يُرَادَ بذلكَ: أنَّها كانَتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ خاصَّةً. لا حقَّ فيها لأحدٍ من المسلمينَ، ويكونُ إخراجُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لمَا يُخْرِجُهُ منهَا لغيرِ أهلِهِ ونفسِهِ. تَبَرُّعًا منهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ.

والثَّانِي: أن يكونَ ذلكَ ممَّا يَشْتَرِكُ فيهِ هوَ وغيرُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. ويكونُ مَا يُخْرِجُهُ منهَا لغيرِهِ: من تعيينِ الْمَصْرَفِ وإخراجِ الْمُسْتَحَقِّ وكذلكَ مَا يأخذُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لأهلِهِ من بابِ أخذِ النَّصيبِ الْمُسْتَحَقِّ من المالِ المشتركِ في الْمَصْرَفِ. ولا يمنعُ من ذلكَ قولُهُ (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (59: 5) لأنَّ َهذه اللَّفظةَ قد وردَتْ معَ الاشتراكِ، قالَ اللهُ تعالَى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) الآيةَ. فأطلقَ على ذلكِ كونَهُ إِفَاءَةً على رسولِهِ، معَ الاشتراكِ في الْمَصْرَفِ.

وفى الحديثِ: جوازُ الادخارِ للأهلِ قُوتَ سنةٍ.

وفى لفظِهِ: مَا يُوَجِّهُ الجمعَ بينَهُ وبينَ الحديثِ الآخَرِ:"كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لا يَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ"فَيُحْمَلُ هذا على الادخارِ لنفسِهِ. وفى الحديثِ الَّذي نحنُ في شرحِهِ على الادخارِ لأهلِهِ، على أنَّه لا يكادُ يَحْصُلُ شكٌّ في أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ كانَ مُشَارِكًا لأهلِهِ فيمَا يَدَّخِرُهُ من الْقُوتِ، ولكنْ يكونُ المعنَى: أنَّهم المقصودونَ بالادخارِ الذي اقْتَضَاهُ حالُهُمْ، حتَّى لو لم يكونُوا لم يَدَّخِرْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت