فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 381

وَهِيَ زائدةٌ عَلَى المسؤولِ الَّذِي هُوَ ألفانِ.

السادسُ مِن الكلامِ عَلَى الحديثِ: قولُهُ: (( إِنَّكَ حَمِيدٌ ) )بمعنَى: محمودٌ، وردَ بصيغةِ المبالغةِ، أيْ مُستحِقٌّ لأنواعِ المحامدِ، و (( مَجِيدٌ ) )مبالغةٌ من ماجدٍ، والمجدُ الشَّرَفُ، فيكونُ ذَلِكَ كالتَّعليلِ لاستحقاقِ الحمدِ بِجميعِ المحامدِ، ويحتملُ أنْ يكونَ (( حَمِيدٌ ) )مبالغةً مِن حامدٍ، ويكونُ ذَلِكَ كالتعليلِ للصَّلاةِ المطلوبةِ، فإنَّ الحمدَ والشُّكرَ متقاربانِ، فحميدٌ قريبٌ مِن معنَى شكورٍ، وَذَلِكَ مناسبٌ لزيادةِ الأفضالِ والإعطاءِ لما يُرادُ مِن الأمورِ العظامِ، وَكَذَلِكَ المجدُ والشَّرَفُ مناسبتُه لِهَذَا المعنَى ظاهرةٌ، و (( البركةُ ) )الزِّيادةُ والنَّماءُ مِن الخيرِ، واللهُ أعلمُ.

123 -الحديثُ الثالثُ: عَنْ أَبِي هُرَيرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: (( اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) ).

وَفِي لفظٍ لمُسلمٍ: (( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ) )ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

فِي الحديثِ إثباتُ عذابِ القبرِ، وَهُوَ متكرِّرٌ مستفيضٌ فِي الرِّواياتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والإِيمانُ بِهِ واجبٌ، و (( فتنةُ المَحيَا ) )مَا يتعرَّضُ لَهُ الإِنسانُ مدَّةَ حياتِه، مِن الافتتانِ بالدُّنيا والشَّهواتِ والجهالاتِ، وأشدُّها وأعظمُها - والعياذُ باللهِ تَعَالَى - أمرُ الخاتمةِ عِنْدَ الموتِ، و (( فتنةُ المماتِ ) )يجوزُ أنْ يُرادَ بِهَا الفتنةُ عِنْدَ الموتِ، أُضيفتْ إِلَى الموتِ لقربِها مِنْهُ، وتكونُ فتنةُ المحيَا - عَلَى هَذَا - مَا يقعُ قبلَ ذَلِكَ فِي مدَّةِ حياةِ الإِنسانِ وتصرُّفِه فِي الدُّنيا، فَإِنَّ مَا قاربَ شَيْئًا يُعطى حكمَهُ، فحالةُ الموتِ تُشبَّهُ بالموتِ، وَلاَ تُعدُّ مِنَ الدُّنيا، ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بفتنةِ المماتِ فتنةُ القبرِ، كَمَا صحَّ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فتنةِ القبرِ (( كمثلِ - أَوْ أعظمَ - مِن فتنةِ الدَّجَّالِ ) )، وَلاَ يكونُ عَلَى هَذَا متكرِّرًا مَعَ قولِه: (( مِن عذابِ القبرِ ) )، لأنَّ العذابَ مرتَّبٌ عَلَى الفتنةِ، والسَّببُ غيرُ المسبَّبِ، وَلاَ يُقَالُ: إنَّ المقصودَ زوالُ عذابِ القبرِ، لأنَّ الفتنةَ نفسَها أمرٌ عظيمٌ، وَهُوَ شديدٌ يُستعاذُ باللهِ مِن شرِّهِ.

والحديثُ الَّذِي ذكرهُ عن مسلمٍ فِيْهِ زيادةُ كونِ الدَّعواتِ مأمورًا بِهَا بعدَ التَّشهُّدِ، وَقَدْ ظهرتْ العنايةُ بالدُّعاءِ بِهَذِهِ الأمورِ، حَيْثُ أُمرنَا بِهَا فِي كل صلاةٍ، وهي حقيقةٌ بِذَلِكَ، لعظمِ الأمرِ فيهَا، وشدَّةِ البلاءِ فِي وقُوعِهَا، ولأنَّ أكثرَها - أَوْ كلَّهَا - أمورٌ إيمانيَّةٌ غيبيَّةٌ، فتكرُّرُها عَلَى الأنفسِ يجعلُها ملَكَةً لَهَا.

وَفِي لفظِ مسلمٍ أَيْضًا فائدةٌ أُخرَى، وهيَ تعليمُ الاستعاذةِ، وصيغتُها فإنَّهُ قَدْ كَانَ يمكنُ التعبيرُ عَنْهَا بغيرِ هَذَا اللَّفظِ، وَلَوْ عبَّرَ بغيرِه لحصَلَ المقصودُ وامتَثلَ الأمرُ، ولكنَّ الأَولَى قولُ مَا أَمرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذهبَ الظَّاهريَّةُ إِلَى وجوبِ هَذَا الدُّعاءِ فِي هَذَا المَحلِّ.

وليُعلمْ أنَّ قولَه عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ ) )عامٌّ فِي التشهُّدِ الأوَّلِ والأخيرِ معًا، وَقَدْ اشتهرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت