وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الأَمْرَ هَهُنَا عَلَى الوُجُوبِ، اخْتَلَفُوا فِي عِلََّةِ هَذَا الحُكْمِ، فَقِيلَ: عِلَّتُهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَينِ، خَشْيَةَ المَوتِ فِي المَنَامِ، وَقِيلَ: عِلَّتُهُ أَنْ يَنْشَطَ إِلَى الغُسْلِ إِذَا نَالَ المَاءُ أَعْضَاءَهُ، وَبَنَوْا عَلَى هَاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ أَنَّ الحَائِضَ إِذَا أَرَادَت النَّومَ، هَل تُؤمَرُ بِالوُضُوءِ؟ فَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِالمَبِيتِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ أَنْ تَتَوَضَّأََ الحَائِضُ، لِأَنَّ المَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهَا وَمْقُتَضَى التَّعْلِيلِ بِحُصُولِ النَّشَاطِ أَنْ لَا تُؤْمَرَ بِهِ الحَائِضُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ نَشِطَتْ لَمْ يُمْكِنْهَا رَفْعُ حَدَثِهَا بِالغُسْلِ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الحَائِضِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاعَى هَذِهِ العِلَّةَ، فَنَفَى الحُكْمَ لِانْتِفَائِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُرَاعِهَا، وَنَفَى الحُكْمَ، لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ أَمْرَ الجُنُبِ بِهِ تَعَبُّدٌ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، أَوْ رَأَى عِلَّةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
33 -الحَدِيثُ الخَامِسُ: عَن أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِن الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِن غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ ) ).
الكَلَامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُهُا: قَولُهَا: (( إنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِن الحَقِّ ) )هَذَا تَمْهِيدٌ لِبَسْطِ عُذْرِهَا فِي ذِكْرِهَا مَا يَسْتَحْيِي النِّسَاءُ مِن ذِكْرِهِ، وَهُو أَصْلٌ فِيمَا يَصْنَعُهُ الكُتَّابُ وَالأُدَبَاءُ فِي ابْتِدَاءِ مُكَاتَبَاتِهِمْ وَمُخَاطَبَاتِهِمْ مِن التَّمْهِيدَاتِ لِمَا يَأْتُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يُحَسِّنُهُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى المُعْتَذَرِ مِنْهُ، أَدْرَكَتْهُ النَّفْسُ صَافِيَةً مِن العَتْبِ، وَإِذَا تَأَخَّرَ العُذْرُ اسْتَثْقَلَت النَّفْسُ المُعْتَذَرَ مِنْهَ، فَتَأَثَّرَتْ بِقُبْحِهِ، ثُمَّ يَأْتِي العُذْرُ رَافِعًا، وَعَلَى الأَوَّلِ يَأْتِي دَافِعًا.
الثَّانِي: تَكَلَّمُوا فِي تَأْوِيلِ قَولِهَا: (( إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِن الحَقِّ ) )، وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ الحَيَاءِ، إِذَا كَانَ الكَلَامُ مُثْبَتًا، كَمَا جَاءَ: (( إنَّ اللهَ حَيِىٌّ كَرِيمٌ ) )، وَأَمَّا فِي النَّفْي، فَالمُسْتَحِيلَاتُ عَلَى اللهِ تَعَالَى تُنْفَى، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْي أَنْ يَكُونَ المَنْفِيُّ مُمْكِنًا. وُجُوابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِد النَّفْيُ عَلَى الاسْتِحْيَاءِ مُطْلَقًا، بَلْ وَرَدَ عَلَى الاسْتِحْيَاءِ مِن الحَقِّ، فَبِطَرِيقِ المَفْهُومِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِن غَيْرِ الحَقِّ، فَيَعُودُ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ إِلَى جَانِبِ الإِثْبَاتِ.
الثَّالِثُ: قِيلَ فِي مَعْنَاهُ لَا يَأْْمُرُ بِالحَيَاءِ فِيهِ، وَلَا يُبِيحُهُ، أَو لَا يَمْتَنِعُ مِن ذِكْرِهِ وَأَصْلُ (( الحَيَاءِ ) )الامْتِنَاعُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِن مَعْنَى الانْقِبَاضِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ سُنَّةَ اللهِ وَشَرْعَهُ أَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِن الحَقِّ. وَأَقُولُ: أمَّا تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّ لَا يَمْتَنِعَ مِن ذِكْرِهِ فَقَرِيبٌ، لِأَنَّ المُسْتَحْيِي مُمْتَنِعٌ مِن فِعْلِ مَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ، فَالاِمْتِنَاعُ مِن لَوَازِمِ الحَيَاءِ، فَيُطْلََقُ الحَيَاءُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ، إِطْلَاقًا لاِسْمِ المَلْزُومِ عَلَى اللَازِمِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: (( أيْ لَا يَأمُرُ بِالحَيَاءِ فِيهِ وَلَا يُبِيحُهُ ) )، فَيُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِهِ أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ التَّعْبِيرُ بِالحَيَاءِ عَن الأَمْرِ بِالحَيَاءِ، لِأَنَّ الأَمْرَ بِالحَيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَيَاءِ، فَيَصِحُ إِطْلَاقُ الحَيَاءِ عَلَى الأَمْرِ بِهِ، عَلَى سَبِيلِ إِطْلَاقِ المُتَعَلَّقِ عَلَى المُتَعَلِّق بِهِ، وَإِذَا صَحَّ إِطْلَاقُ الحَيَاءِ عَلَى الأَمْرِ بِالحَيَاءِ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ عَدَمِ الحَيِاءِ مِن الشَّيءِ عَلَى عَدَمِ الأَمْرِ بِهِ.