فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 381

أنَّا إذا فَعَلْناهَا وتذكَّرْنا أسبابَهَا حصلَ لنَا مِن ذلكَ تعظيمُ الأوَّلِينَ، وما كانُوا عليهِ من احتمالِ المشاقِّ فِي امتثالِ أمرِ اللهِ، فكانَ هذا التذكُّرُ باعثًا لنا على مثلِ ذلكَ، ومقرِّرًا فِي أنفسِنَا تعظيمَ الأوَّلينَ، وذلكَ معنىً معقولٌ.

مثالُهُ: السَّعيُ بينَ الصَّفا والمروةِ. إذا فَعَلْناهُ وتذكَّرْنَا أنَّ سببَهُ قِصَّةُ هاجرَ مع ابنِها، وتَرْكُ الخليلِ لهمَا فِي ذلكَ المكانِ المُوحِشِ منفردَيْنِ منقطِعَيْ أسبابِ الحياةِ بالكليَّةِ، معَ ما أظهرهُ اللهُ تعالى لهمَا من الكرامةِ، والآيةِ فِي إخراجِ الماءِ لهُمَا - كانَ فِي ذلكَ مصالحُ عظيمةٌ. أي: فِي التذكُّرِ لتلكَ الحالِ. وكذلكَ (( رميُ الجمارِ ) )إذا فَعَلْنَاهُ، وتذكَّرْنَا أنَّ سببَهُ رميُ إبليسَ بالجمارِ فِي هذِه المواضِعِ عندَ إرادةِِ الخليلِ ذبحَ ولدِه حصلَ مِن ذلكَ مصالحُ عظيمةُ النَّفعِ فِي الدِّينِ.

وفي الحديثِ: جوازُ تسميةِ الطَّوافاتِ بالأشواطِ؛ لقولِهِ: (( فأَمَرَهُمْ أن يرمُلُوا الأشواطَ الثَّلاَثةَ ) )ونُقِلَ عن بعضِ المتقدِّمِينَ، وعن الشافعيِّ أنهما كَرِهَا هذهِ التسميةَ. والحديثُ على خلافِه.

وإنَّماذُكرَ فِي هذا الحديثِ: (( أَنَّهمْ لم يَرمُلوُا بينَ الرُّكنينِ اليمانيَيْنِ ) )؛لأن المُشركينَ لمْ يكونُوا يَرَوْنَ المسلمينَ إذا كانُوا فِي هذا المكانِ.

228 -الحديثُ السادسُ: عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ - أَوَّلَ مَا يَطُوفُ - يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ ) ).

فيهِ دليلٌ على الاستلامِ للرُّكنِ. وذكرَ بعضُ مصنفِي الشَّافعيَّةِ المتأخِّرينَ أنَّ أستلامَ الرُّكنِ يُستحبُّ مع استلامِ الحجرِ أيضًا، وله متمسَّكٌ بهذا الحديثِ، وإن كانَ يحتملُ أن يكونَ مَعنى قولِه: (( استلمَ الرُّكنَ ) )استلمَ الحجرَ. وعبَّرَ بقولهِ: (( استلمَ الرُّكْنَ ) )عن كونهِ استلمَ الحجرَ، فإنَّ الحجرَ بعضُ الرُّكنِ. كما أنهُ إذا قالَ: (( استلمَ الرُّكْنَ ) )إنما يريدُ بعضَهُ. وفيه دليلٌ على (( الْخَبَبِ ) )فِي جميعِ الأشواطِ الثَّلاثِ, وفيه دليلٌ على تقديمِ الطَّوافِ فِي ابتداءِ قدومِ مَكَّةَ.

229 -الحديثُ السَّابعُ: عَنِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ )) . المِحْجَنُ: عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ.

فيه دليلٌ على جوازِ الطَّوافِِ راكبًا. وقيلَ: إنَّ الأفضلَ المشيُ. وإنَّما طافَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكبًا لِتَظْهَرَ أفعالُهُ، فَيُقْتدَى بِهَا، وهذا يُؤْخذُ منهُ أصْلٌ كبيرٌ. وهو أنَّ الشَّيءَ قد يكونُ راجِحًا بالنَّظرِ إِلَى محلِّهِ من حيثُ هو. فإذا عارضهُ أمرٌ أخرُ أرجحُ منهُ قُدِّمَ على الأوَّلِ من غيرِ أن تزولَ الفضيلةُ الأولى، حتى إذا زالَ ذلك المعارِضُ الرَّاجحُ عادَ الحكمُ الأولُ من حيثُ هوَ هو. وهذا إنما يقْوَى إذا قامَ الدَّليلُ على أنَّ ترْكَ الأوَّلِ إنما هو لأجلِ المُعارِضِ الرَّاجحِ. وقد يُؤْخَذُ ذلك بقرائنَ ومناسباتٍ. وقد يُضَعَّفُ، وقد يُقَوَّى بحسبِ اختلافِ الموَاضعِ. وههنا يَصْطَدِمُ الظَّاهرُ معَ المُتَّبعينَ لِلْمعانِي.

واستُدِلَّ بالحديثِ على طهارةِ بولِ ما يُؤْكَلُ لحمُهُ، مِن حيثُ إنَّه لا يُؤْمَنُ بولُ البعيرِ فِي أثناءِ الطَّوافِ فِي المسجدِ. ولو كانَ نجِسًا لم يُعَرِّضِ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجدَ للنَّجَاسَةِ. وقد منَعَ لتعظيمِ المساجدِ ما هو أخفُّ مِن هذا.

وَفِي الحديثِ دليلٌ على الاسْتلامِ بالمِحْجَنِ، إذا تعذَّر الوصولُ إِلَى الاستلامِ باليدِ, وليسَ فيهِ تَعَرُّضٌ لتقبيلِهِ.

230 -الحديثُ الثَّامنُ: عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت