واستدلَّ بهِ الأصوليُّونَ على مسألةِ التَّأَسِّي بأفعالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، فإنَّ النَّاسَ نَبَذُوا خواتيمَهُمْ، لمَّا رَأَوْهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ نَبَذَ خاتمَهُ. وهذا عندِي لا يَقْوَى في جميعِ الصُّوَرِ التي تُمْكِنُ في هذه المسألةِ. فإنَّ الأفعالَ الَّتي يُطْلَبُ فيهَا التَّأَسِّي على قسميْنِ: أحدُهُما: مَا كانَ الأصلُ أن يُمْتَنَعَ، لولا التَّأَسِّي لقيامِ المانعِ منهُ. فهذا يقوَى الاستدلالُ بهِ في مَحَلِّهِ. والثَّانِي: مَا لا يُمْنَعُ فِعْلُهُ، لولا التَّأَسِّي، كمَا نحنُ فيهِ. فإنَّ أقصَى مَا في البابِ: أن يكونَ لُبْسُهُ حرامًا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، دونَ الأمةِ. ولا يَمْتَنِعُ حينئذٍ أن يَطْرَحَهُ مَن أُبِيحَ لهُ لُبْسُهُ. فمَن أرادَ أن يَسْتَدِلَّ بمثلِ هذا على التَّأَسِّي فيمَا الأصلُ مَنْعُهُ، لولا التَّأَسِّي: فلم يَفْعَلْ جيدًا. لمَا ذكرْتُه من الفرْقِ الواقعِ.
وفيهِ دليلٌ على التَّخَتُّمِ في اليدِ اليمنَى. ولا يُقَالُ: إنَّ هذا فِعْلٌ منسوخٌ. لأنَّ المنسوخَ منهُ جوازُ اللُّبسِ، بخصوصِ كونِهِ ذهبًا، ولا يَلْزَمُ من ذلكَ نَسْخُ الوصفِ. وهوَ التَّخَتُّمُ في الْيُمْنَى بخاتمٍ غيرِ الذَّهبِ.
403 -الحديثُ السَّادسُ: عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ نَهَى عن لُبُوسِ الحريرِ إلَّا هكذَا، ورفعَ لنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ إصبعَيْه: السبَّابَةَ، والوُسْطَى.
404 -ولمسلمٍ: نَهَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ عن لُبْسِ الحريرِ إلا موضعَ إصبعَيْنِ، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ.
هذا الحديثُ: يَدُلُّ على استثناءِ هذا المقدارِ من المنعِ، وقد ذكرْنَا تَوَسُّعَ مَن تَوَسَّعَ في هذا، واعْتَبَرَ غَلَبَةَ الوزنِ، أو الظُّهورِ، ولا بُدَّ لهمْ في هذا الحديثِ مِن الاعتذارِ عنهُ: إمَّا بتأويلٍ، أو بتقديمِ مُعَارِضٍ.