دلائلِ الوجوبِ عَلَيْهِ، وَقَدْ نصَّ مالكٌ عَلَى الوجوبِ، فحمَلَهُ المخالفونَ - ممَّنْ لمْ يمارسْ مذهبَهُ - عَلَى ظاهرِهِ. وحُكيَ عَنْهُ أنه يروِي الوجوبَ، ولم يرَ ذَلِكَ أصحابُه عَلَى ظاهرِهِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى تعليقِ الأمرِ بالغسلِ بالمجيءِ إِلَى الجُمعةِ، والمرادُ إرادةُ المجيِء، وقصدُ الشُّروعِ فيه، وَقَالَ مالكٌ بِهِ، واشترطَ الاتِّصالَ بَيْنَ الغسلِ والرَّواحِ، وغيرُه لاَ يشترطُ ذَلِكَ.
ولقدْ أبعدَ الظَّاهريُّ إبعادًا يكادُ يكونُ مجزومًا ببطلانهِ، حَيْثُ لمْ يشترطْ تقدُّمَ الغسل عَلَى إقامةِ صلاةِ الجمعةِ، حتى اغتسلَ قبلَ الغروبِ كفَى عندَهُ، تعلُّقًا بإضافةِ الغسلِ إِلَى اليومِ فِي بعضِ الرِّواياتِ وَقَدْ تبيَّنَ من بعض الأحاديثِ أنَّ الغسلَ لإِزالةِ الروائحِ الكريهةِ، ويُفهمُ مِنْهُ أنَّ المقصودَ عدمُ تأذِّي الحاضرينَ، وذلكَ لاَ يتأتَّى بعدَ إقامةِ الجُمعةِ، وَكَذَلِكَ أقولُ: لَوْ قدَّمهُ بحيثُ لاَ يحصلُ هَذَا المقصودُ لمْ يُعتدَّ بِهِ، والمعنَى إِذَا كَانَ معلومًا كالنصِّ قطعًا، أَوْ ظنًّا مقاربًا للقطعِ، فاتِّباعُه وتَعْليقُ الحكمِ بِهِ أولى من اتِّباعِ مُجرَّدِ اللفظِ.
وَقَدْ كنَّا قرَّرنَا فِي مثِل هَذَا قاعدةً، وهيَ انقسامُ الأحكامِ إِلَى أقسامٍ، مِنْهَا أن يكونَ أصلُ المعنَى معقولًا، وتفصيلُه يحتملُ التَّعبُّدَ، فَإِذَا وقعَ مثلُ هَذَا فَهُوَ محلُّ نظرٍ.
وَمِمَّا يبطلُ مذهبَ الظَّاهريِّ أنَّ الأحاديثَ التي عُلِّقَ فيهَا الأمرُ بالإِتيانِ أَوْ المجيءِ قَدْ دلَّتْ عَلَى توجُّهِ الأمرِ إِلَى هَذِهِ الحالةِ، والأحاديثُ التي تدلُّ عَلَى تعليقِ الأمرِ باليومِ لاَ يتناولُ تعليقُه بِهَذِهِ الحالةِ، فَهُوَ إِذَا تمسَّكَ بتلكَ أبطلَ دلالةَ هَذِهِ الأحاديثِ عَلَى تعليقِ الأمرِ بِهَذِهِ الحالةِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ونحنُ إِذَا قُلْنَا بتعليقهِ بِهَذِهِ الحالةِ فَقَدْ عملنَا بِهَذِهِ الأحاديثِ من غيرِ إبطالٍ لما استدلَّ بِهِ.
137 -الحديثُ الثَّالثُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جاء رجُلٌ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخْطُبُ النَّاسَ يْومَ الجُمعةِ، فَقَالَ: (( صَلَّيتَ يَا فُلانُ؟ ) )قَالَ: لاَ، قَالَ: (( قُمْ فارْكعْ ركْعتَيْنِ ) ).
وَفِي روايةٍ: (( فصلِّ ركْعَتَيْنِ ) ).
اختلفَ الفقهاءُ فيمنْ دخلَ المسجدَ والإِمامُ يخطبُ هل يركعُ ركعتي التَّحيَّةِ حينئذٍ أم لاَ؟ فذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثرُ أصحابِ الحديثِ إِلَى أنَّه يركعُ، لِهَذَا الحديثِ وغيرِه مِمَّا هُوَ أصرحُ مِنْهُ، وَهُوَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا جاءَ أحدُكمْ يومَ الجمعةِ والإِمامُ يخطبُ فليركعْ ركعتينِ، وليتجوَّزْ فيهمَا ) ).
وذهبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ إِلَى أنَّه لاَ يركعُهما، لوجوبِ الاشتغالِ بالاستماعِ، واستدلَّ عَلَى ذَلِكَ بقولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا قلتَ لصاحبِكَ والإِمامُ يخطبُ يومَ الجُمعةِ: أنصتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ ) )، قالوا: فَإِذَا مُنِعَ مِن هَذِهِ الكلمةِ - مَعَ كونهَا أمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكرٍ فِي زمنٍ يسيرٍ - فلأنْ يُمنعَ مِنَ الرَّكعتينِ - مَعَ كونهمَا مَسْنُونَتَيْنِِ فِي زمنٍ طويلٍ - أَوْلَى، ومَن قَالَ بِهَذَا القولِ يحتاجُ إِلَى الاعتذارِ عن هَذَا الحديثِ الَّذِي ذكرَهُ المصنِّفُ، والحديثِ الَّذِي ذكرناهُ.