الثَّانِي: المُخْتَارُ: أنْ يكونَ حِكايةُ قولِ المُؤذِّنِ فِي كُلِّ لَفْظةٍ مِن ألْفَاظِ الأذَانِ عَقِيبَ قَولِهِ. وَعَلى هَذَا فَقَولُهُ: (( إذَا سَمِعْتُم المُؤَذِّنَ ) )مَحْمُولٌ عَلَى سَمَاعِ كُلِّ كَلَمَةٍ مِنْهُ. وَالفَاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ. فَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ: اقْتَضَى تَعْقِيبَ قَولِ المُؤذِّنِ بِقَولِ الحَاكِي. وَفي اللَّفْظِِ احْتِمَالٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: اخْتَلفُوا فِي أنَّهُ إذا سَمِعَهُ فِي حَالِ الصَّلاةِ: هَل يُجِيبُهُ أَم لا؟ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوالٍ للعُلَمَاءِ. أَحَدُهَا: أنَّهُ يُجِيبُ، لِعُمُومِ هَذَا الحَديثِ، وَالثَّانِي: لا يُجِيبُ لأنَّ فِي الصَّلاةِ شُغُلًا. كَمَا وَرَدَ من حَديثِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. متَّفقٌ عَلَيهِ. والثَّالِثُ: الفَرْقُ بَينَ الفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ دُونَ الفَرِيضَةِ. لأنَّ أَمْرَ النَّافِلَةِ أَخَفُّ. وَذَكرَ بَعضُ مُصَنِّفِي أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ هَلْ يُكْرهُ إجابَتُهُ فِي الأذْكَارِ الَّتِي فِي الأذَانِ إذا كَانَ فِي الصَّلاةِ؟ وَجْهَانِ، مَعَ الجَزْمِ بِأنَّهَا لا تَبْطُلُ. وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِمَا إِذَا كَانَ فِي غَيرِ قِرَاءةِ الفَاتِحَةِ. أمَّا الحَيْعَلَةُ: فَإمَّا أنْ يُجِيبَ بِلَفْظِهَا أو لا. فَإنْ أجابَ بِالحَوْقَلَةِ لَم تَبْطُلْ، لأنَّهُ ذِكرٌ، كَمَا فِي غيرِهَا مِن الذِّكْرِ الَّذِي فِي الأذانِ. وإنْ أجابَ بِلفظِهَا بَطُلَتْ، إِلَّا أنْ يكونَ نَاسيًا، أو جَاهِلًا بِأنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
وذَكَرَ أصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَولَينِ - أعنِي إذا قَالَ: حيَّ عَلَى الصَّلاةِ فِي الصَّلاةِ - هَلْ تَبْطُلُ؟ والَّذِينَ قَالُوا بِالبُطْلانِ عَلَّلُوهُ بِأنَّهُ مُخَاطَبَةٌَ للآدَمِيِّينَ فَأُبْطِلَ، بِخِلافِ بَقيَّةِ ألفْاظِ الأذَانِ الَّتِي هِيَ ذِكْرٌ، وَالصَّلاةُ مَحَلُّ الذِّكْرِ.
وَوَجْهُ مَن قَالَ بِعَدمِ البُطْلانِ: ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ وَعُمُومُهُ، وَمِن جِهَةِ المَعْنَى: إِنَّهُ لا يَقْصُدُ بِقَولِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ دُعَاءَ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ، بَل حِكَايةَ ألفَاظِ الأذَانِ.
الرَّابِعُ: فِي الحَديثِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ لَفْظَةَ (( المِثْلِ ) )لا تَقْتَضِي المُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: (( فقولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤذِّنِ ) )وَلا يُرَادُ بِذَلكَ المُمَاثَلَةُ فِي كُلِّ الأوصافِ، حتَّى رَفْعُ الصَّوتِ.
الخَامِسُ: قِيلَ فِي مُناسَبَةِ جَوابِ الحَيْعَلَةِ بِالحَوْقَلَةِ: إنَّهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الحُضُورِ أَجَابُوا بِقَولِهِمْ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ , أي بِمَعُونَتِهِ وَتَأيِيدِهِ. والحَولُ والقُوَّةُ غَيْرُ مُتَرَادِفَتْينِ، فَالقوَّةُ القُدرةُ عَلَى الشَّيءِ، والحَولُ: الاحْتِيالُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالمُحَاوَلَةُ لَهُ. واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ.
68 -الحَدِيثُ الأَوَّلُ: عَن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حيْثُ كانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ، وَكانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيِرِه. وَلِمُسْلِمٍ: غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْها المَكْتُوبَةَ. وَللبُخَارِيِّ: إلَّا الفَرَائِضَ.
الكَلامُ عَليهِ مِن وُجوهٍ. أحَدُهَا: (( التَّسْبِيحُ ) )يُطلَقُ عَلَى صَلاةِ النَّافِلَةِ. وهَذَا الحَدِيثُ مِنهُ. فَقَولُهُ (( يُسبِّحُ ) )أي يُصَلِّي النَّافِلَةَ. ورُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلاةِ , وقَدْ فُسِّرَ قَولُهُ سُبْحَانَهُ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39] ، بِصَلاةِ الصُّبحِ وصَلاةِ العَصرِ. والتَّسْبِيحُ: حَقْيقَةٌ فِي قَولِ القَائلِ: سُبْحَانَ اللهِ. فإذَا أُطلِقَ عَلَى الصَّلاةِ فإمَّا مِن بَابِ