وقولُه: (( وَلْتَكُنْ وديعةً عِنْدَكَ ) )، يُحْتَمَلُ أن يُرَادَ بِذَلِكَ بعدَ الاستنفاقِ، ويكونُ قولُه: (( وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عَنْدَكَ ) )، فِيهِ مجازٌ فِي لفظِ (( الوَدِيعَةِ ) )فَإِنَّهَا تدلُّ عَلَى الأعيانِ، وَإِذَا اسْتَنْفَقَ اللقَطَةَ لم تكنْ عينًا، فَتَجَوَّزَ بلفظِ (( الوَدِيعَةِ ) )عن كونِ الشيءِ بحيثُ يُردُّ إِذَا جَاءَ ربُّه، وَيُحْتَمَلُ أن يكونَ قولُه: (( وَلْتَكُنْ ) )الواوُ فِيهِ بمعنى (( أَوْ ) )فيكونُ حكمُها حكمَ الأماناتِ والودائعِ، فَإِنَّهُ إِذَا لم يَتَمَلَّكْهَا بَقِيَتْ عندَه عَلى حُكْمِ الأمانةِ، فَهِيَ كالوديعةِ.
وقولُه: (( فإن جَاءَ طالبُها يومًا من الدهرِ فَأَدِّهَا إليه ) )فِيهِ دليلٌ عَلَى وجوبِ الردِّ عَلَى المالكِ، إِذَا بيَّنَ كونَه صاحبُها، واخْتَلَفَ الفقهاءُ هَلْ يَتَوَقَّفُ وجوبُ الردِّ عَلَى إقامةِ البيِّنَةِ، أم يَكْتَفِى بوصفِه بأماراتِها التي عرفَّها المُلْتَقِطُ أَوّلًا؟
وقولُه: (( وسأَلَه عن ضالَّةِ الإِبلِ ... إلخ ) )فِيهِ دليلٌ عَلَى امتناعِ التقاطِها، وَقَدْ نُبِّه عَلَى العلَّةِ فِيْهِ، وَهِيَ استغناؤُها عن الحافظِ والمُتَفَقِّدِ، و (( الحذاءُ والسِّقَاءُ ) )ههنا مَجَازَانِ، كأنه لَمَّا اسْتَغْنَتْ بقوَّتِها وَمَا رُكِّبَ فِي طبعِها من الجلادةِ عن الماءِ كأنها أُعْطِيَت الحذاءَ والسِّقَاءَ.
وقولُه: (( وسأَلَه عن الشاةِ - إِلَى آخرِ الحديثِ ) )، يريدُ الشاةَ الضالَّةَ، والحديثُ يدلُّ عَلَى التقاطِها، وَقَدْ نُبَّه فِيْهِ عَلَى العلَّةِ، وَهِيَ خوفُ الضياعِ عليها، إن لم يَلْتَقِطْهَا أحدٌ، وَفِي ذَلِكَ إتلافٌ لماليتِهَا عَلَى مالكِها، والتساوي بَيْنَ هَذَا الرجلِ وَبَيْنَ غيرِه مِن الناسِ إِذَا وَجَدَهَا، فإن هَذَا التساويَ تقتضي الألفاظُ بأنه لابدَّ مِنْهُ، إِمَّا لِهَذَا الواجدِ وَإِمَّا لغيرِه من الناسِ، واللهُ أعلمُ.
296 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ) ). زَادَ مُسلمٌ: قَالَ ابنُ عمرَ: (( مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي ) ).
(( الوَصِيَّةُ ) )عَلَى وجهينِ: أحدُهما: الوصيَّةُ بالحقوقِ الواجبةِ عَلَى الإِنسانِ، وَذَلِكَ واجبٌ، وَتَكَلَّمَ بعضُهم فِي الشيءِ اليسيرِ الَّذِي جَرَت العادةُ بِتَدَايُنِه وَرَدِّهِ مَعَ القربِ هَلْ تجبُ الوَصَيَّةُ بِهِ عَلَى التضييقِ والفورِ؟ وكأنَّه رُوعِيَ فِي ذَلِكَ المشقَّةُ.
والوجهُ الثَّانِي: الوصيَّةُ بالتطوُّعَاتِ فِي القُرُبَاتِ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وكأنَّ الحديثَ إنما يُحْمَلُ عَلَى النوعِ الأَوَّلِ.
والترخيصُ فِي (( الليلَتَيْن ) )أَوْ (( الثلاثِ ) )دَفْعٌ للحرجِ والعُسْرِ، وربَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ قومٌ عَلَى العملِ بالخطِّ والكتابةِ، لقولِه: (( وصيَّتُه مَكْتُوبَةٌ ) )ولم يَذْكُرْ أمرًا زائدًا، ولولا أن ذَلِكَ كافٍ لَما كَانَ لِكِتَابَتِهِ فائدةٌ، والمُخَالِفُونَ يقولُون: المرادُ وصيَّتُه مَكْتُوبَةٌ بشروطِها، وَيَأْخُذُونَ الشروطَ من خارجٍ.
والحديثُ دليلٌ عَلَى فضلِ ابنِ عمرَ لمُبَادَرَتِه فِي امتثالِ الأمرِ ومُوَاظَبَتِه عَلَى ذَلِكَ.
297 -الحديثُ الثَّانِي: عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ