بأرجحهِمَا. وما ثبتَ فِي اليقظةِ فهوَ أرجحُ. وإن كانَ غيرَ مخالفٍ لما ثبتَ فِي اليقظةِ ففيهِ خلافٌ، والاستنادُ إِلَى الرَّؤيا ههنا: فِي أمرٍ ثبتَ استحبابُهُ مطلقًا، وهو طلبُ ليلةِ القَدرِ. وإنما ترجَّحَ السبعُ الأواخرُ لسببِ المَرَائي الدَّالةِ على كونهَا فِي السبعِ الأواخرِ، وهوَ استدلالٌ عَلَى أمرٍ وجوديٍّ إِنهُ استحبَابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتأكيدِ، بالنسبةِ إِلَى هذهِ الليالي، مع كونهِ غيرَ منافٍ للقاعدةِ الكلَّيةِ الثَّابتةِ، من استحبابِ طلبِ ليلةِ القدرِ. وقدْ قالوا: يستحبُّ فِي جميعِ الشَّهرِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ (( ليلةَ القدرِ ) )، فِي شهرِ رمضانَ. وهو مذهبُ الجمهورِ. وقالَ بعضُ العلماءِ: إِنَّها فِي جميعِ السَّنةِ. وقالوا: لو قالَ فِي رمضانَ لزِوجَتهِ: أَنتِ طالقٌ ليلةَ القدرِ لم تَطلُقْ، حتَّى يأتيَ عليها سنةٌ؛ لأنَّ كونَها مخصوصةً برمضانَ مظنونٌ. وصحَّةُ النِّكاحِ معلومةٌ، فلا تُزالُ إِلا بيقينٍ، أعنِي بيقينِ مرورِ ليلةِ القدرِ، وَفِي هذَا نظرٌ، لأنهُ إِذَا دلَّتِ الأحاديثُ على اختصاصِهَا بالعشرِ الأواخرِ، كانَ إزالةُ النِّكاحِ بناءً علَى مستندٍ شرعيٍّ, وهَو الأحاديثُ الدَّالةُ علَى ذلكَ، والأحكامُ المقتضيةُ لوقوعِ الطلاقِ يجوزُ أنْ تُبنَى علَى أخبارِ الآحادِ، ويُرفعُ بهَا النِّكاحُ، ولا يُشترطُ فِي رفعِ النِّكاحِ أَوْ أحكامهِ: أَنْ يكونَ ذلكَ مستندًا إِلَى خبرٍ متواترٍ، أو أمرٍ مقطوعٍ بهِ اتِّفاقًا، نَعَمْ، ينبغى أنْ يُنظَرَ إِلَى دلالةِ ألفاظِ الأحاديثِ الدَّالةِ على اختصاصِهَا بالعشرِ الأواخرِ، ومرتَبتِهَا فِي الظُّهورِ والاحتمالِ. فإن ضعفتْ دلالتُها، فلِمَا قيلَ وجْهٌ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ لِمَن رجَّحَ فِي ليلةِ القدرِ غيرَ ليلةِ الحادِي والعشرينَ، والثالثِ والعشرينَ.
207 -الحديثُ الثَّانِي: عنْ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا، أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ ) ).
وحديثُ عائشةَ يدلُّ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ قبلهُ. مع زيادةِ الاختصاصِ بالوِتر منَ السَّبعِ الأواخرِ.
208 -الحديثُ الثالثُ: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كانَ يَعْتَكفُ فِي العَشْرِ الأوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ - وهِيَ الْلَيلةُ التِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِن اعْتِكافِهِ قَالَ: (( مَنِ اعْتَكفَ مَعِي فَلْيَعَّتَكِف العشْرَ الأوَاخِرَ، فَقَدْ أُريْتُ هَذِهِ الْلَيلةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيتُنِي أَسْجُدُ فِي ماءٍ وَطِينٍ مِنَ صَبِيحتِهَا، فَالْتَمِسُوهُا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كلِّ وتْرٍ ) )فَمَطَرَتِ السِّماءُ تلْكَ الْلَيلةِ، وَكَانَ المَسْجدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ )) .
وَفِي الحديثِ دليلٌ لمنْ رجَّحَ ليلةَ إحدى وعشرينَ فِي طلبِ ليلةِ القدرِ، ومَن ذهبَ إِلَى أنَّ ليلةَ القدرِ تنتقلُ فِي الليالي فلهُ أنْ يقولَ: كانتْ فِي تلكَ السَّنةِ ليلةَ إحدى وعشرينَ، ولاَ يلزمُ من ذلكَ: أن تترجَّحَ هذهِ الْلَيلةُ مطلقًا، والقولُ بتنقُّلِها حسنٌ، لأنَّ فيهِ جمعًا بين الأحاديثِ، وحثًّا عَلَى إحياءِ جميعِ تلكَ الليالي.
وقولُه: (( يعتكفُ العشرَ الأوسَطَ ) )، الأقوَى فيه: أن يُقالَ: (( الوُسُط ) )و (( الوُسَط ) )بضم السِّين أو فتحها، وَأمَّا (( الأوسَطُ ) )، فكأنّهُ تسميةٌ لمجموعِ تلكَ الليالي والأيَّامِ، وإنمَّا رجَّحَ الأولَ: لأنَّ (( العشرَ ) )، اسمٌ لليالي، فيكونُ وصفُهَا الصحيحُ جمعًا لائقًا بهَا، وَقَدْ وردَ فِي بعضِ الرِّواياتِ ما يدلُّ على أنَّ اعتكافَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذلكَ العشرِ كانَ لطلبِ ليلةِ القدرِ، وقبلَ أنْ يعلَمَ أنَّها فِي العشرِ الأواخرِ.