فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 381

11 -الحَدِيثُ الأَوَّلُ: عَنْ أَنْسِ بنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ، قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِن الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ ) )، الخُبُثُ - بِضَمِّ الخَاءِ وَالبَاءِ - جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، استَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِيِنِ وَإِنَاثِهِمْ.

(( أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَضْرِ بنِ ضَمْضَمِ بنِ زَيْدِ بنِ حَرَامٍ ) )- فَتْحُ الحَاءِ وَالرَّاءِ المُهْمَلَتَينِ - أَنْصَارِيٌّ، نَجَّارِيُّ، خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وعُمِّرَ، وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ، يُقَالُ: ثَمَانُونَ، ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذَكَرًا وَابْنَتَانِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: كَانْتَ سِنُّهُ يَومَ مَاتَ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَبَرَتْنِي ابْنَتِي أَمْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِيِّ - إِلى مَقْدَمِ الحُجَّاجِ البَصْرَةَ - بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ. الكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ مِن وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: (( الاسْتِطَابَةُ ) )إِزَالَةُ الأَذَى عَن المَخْرَجَيْنِ بِحَجَرٍ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، مَأْخُوذٌ مِن الطِّيبِ، يُقَالُ: اسْتَطَابَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ، وَأَطَابَ فَهُوَ مُطِيبٌ.

الثَّانِي: (( الخَلَاءُ ) )بِالمَدِّ فِي الأَصْلِ، هُوَ المَكَانُ الخَالِي، كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ، ثُمَّ كَثُرَ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ.

الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (( إِذَا دَخَلَ ) )يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ، كَمَا فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: (إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) [النَّحْلُ: 98] ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ، وَذِكْرُ اللهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ فِي ابْتِدَاءِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، فَإِنْ كَانَ المَحَلُّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الحَاجَةُ غَيْرَ مُعَدٍّ لِذَلِكَ - كَالصَّحَرَاءِ مَثَلًا - جَازَ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ المَكَانِ، وَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ - كَالكُنُفِ - فَفَي جَوَازِ الذِّكْرِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الفُقَهَاءِ، فَمْن كَرِهَهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَنْ يُؤَوِّلَ قَولَهُ (( إِذَا دَخَلَ ) )بِمَعْنَى إِذَا أَرَادَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ (( دَخَلَ ) )أَقْوَى فِي الدِّلَالَةِ عَلَى الكُنُفِ المَبْنِيَّةِ مِنْهَا عَلَى المَكَانِ البَرِاحِ، أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ المُرَادُ، حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُم الخَلَاءَ فَلْيَقُلْ ... الحَدِيثُ ) )، وَأَمَّا مَن أَجَازَ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا المَكَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَيَحْمِلُ (( دَخَلَ ) )عَلَى حَقِيقَتِهَا.

الرَّابِعُ: (( الخُبُثُ ) )بِضَمِّ الخَاءِ وَالبَاءِ، جَمْعُ خَبِيثٍ كَمَا ذَكَرَ المُصَنِّفُ، وَذَكَرَ الخَطَّابِيُّ فِي أََغَالِيطِ المُحَدِّثِينَ رِوَايَتَهُمْ لَهُ بِإِسْكَانِ البَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هَذَا غَلَطًا؛ لِأَنَّ فُعُلًا - بِضَمِّ الفَاءِ وَالعَيْنِ - يُخَفَّفُ عَيْنُهُ قِيَاسًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِالخُبْثِ - بِسُكُونِ البَاءِ - مَا لَا يُنَاسِبُ المَعْنَى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ - وَهُوَ سَاكِنُ البَاءِ - بِمَعْنَاهُ وَهُوَ مَضْمُومُ البَاءِ، نَعَمْ مِنْ حَمْلِهِ - وَهُوَ سَاكِنُ البَاءِ - عَلَى مَا لا يُنَاسِبُ فَهُوَ غَالِطٌ فِي الحَمْلِ عَلَى هَذَا المَعْنَى، لا فِي اللَّفْظِ.

الخَامِسُ: الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحَتْضَرَةٌ ) )أَيْ لِلجَانِّ وَالشَّيِاطِينِ، بَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ هَذَا الدُّعَاءِ المَخْصُوصِ لِهَذَا المَكَانِ المَخْصُوصِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت