324 -الحديثُ الأوَّلُ: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما"أَنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ قال: يا رسولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكلَّمَ تَكلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَتَاَهُ. فقالَ: إِنَ الذي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ. فأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هؤُلاَءِ الآياتِ في سورةِ النورِ: (النور: 6 - 9 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فَتَلاَهُنَّ عَلَيْهِ. وَوَعَظَهُ وَذكَّرَهُ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهُوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ."
فقالَ: لاَ، والَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، ما كَذَبْتُ عَلَيها. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فقالتْ: لاَ، والَّذي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، إِنَّهُ لكاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ. فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهادَاتٍ باللهِ: إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالمرْأَةِ. فَشَهِدَتْ أَربَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ: إنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثم قالَ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ؟ - ثَلاَثًا". وفي لفظٍ:"لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا. قال: يا رسولَ اللهِ، مالِي؟ قال: لا مالَ لَكَ. إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فهُو بما استَحْللْتَ مِنْ فَرْجِها وإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لكَ مِنْها""اللِّعانُ"لفظةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ"اللَّعْنِ"سُمِّيَتْ بذلكَ لما في اللَّفْظِ من ذِكْرِ اللَّعنةِ، وقولُهُ:"أَرَأيتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا"، يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ سُؤَالًا عن أَمٍْر لمْ يقعْ، فيُؤْخَذُ منه جَوَازُ مِثْلِ ذلكَ، والاسْتِعْدَادُ للوقائعِ بِعِلْمِ أحكامِها قبلَ أنْ تَقَعَ. وعليه اسْتَمَرَّ عَمَلُ الفقهاءِ فيما فرَّعُوه، وقرَّرُوه مِن النَّازِلةِ قبْلَ وقوعِها. وقد كانَ مِن السَّلَفِ مَن يَكْرَهُ الحديثَ في الشَّيءِ قبلَ أنْ يقَعَ، ويَرَاهُ مِن ناحيَةِ التَّكلُّفِ."
وقولُ الرَّاوِي:"فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ أتاهُ، فقالَ: إنَّ الَّذي سألتُكَ عنه قد ابْتُلِيتُ بِه"يَحْتَمِلُ وجهينِ. أحدُهما: أن يكونَ السُّؤالُ عمَّا لمْ يقعْ، ثمَّ وقَعَ، والثاني: أنْ يكونَ السُّؤالُ أوَّلًا عمَّا وقعَ، وتأخَّرَ الأمْرُ في جوابِه، فبيَّنَ ضرورتَه إلى معرفةِ الحُكْمِ.
والحديثُ يدلُّ على أنَّ سُؤالَهُ سببُ نزولِِ الآيةِ، وتلاوةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ لها عليه لتعريفِ الحكمِِ والعملِ بمُقْتَضاهَا. وموعظةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قد ذَكَرَ الفقهاءُ استحْبَابَها، عندَما تُرِيدُ المرأةُ أن تَتَلَفَّظَ بالغَضبِ.
وظاهرُ هذِه الرِّوايةِ: أنَّه لا يَخْتصُّ بالمرأةِ؛ فإنَّه ذكَرَهُ فيهَا وفي الرَّجلِ، فلَعَلَّ هذه موعظةٌ عامَّةٌ، ولا شكَّ أنَّ الرَّجلَ مُتعرِّضٌ للعذابِ، وهو حَدُّ القذْفِ، كما أنَّ المرأةَ مُتَعَرِّضةٌ للعذابِ، الَّذي هوَ الرَّجْمُ، إلا أنَّ عذابَها أشدُّ.