وقولُه عليه السَّلامُ:"وَقَدْ كَانتْ إِحَدَاكُنَّ تَرْمِي بالبعْرَةِ عندَ رَأْسِ الْحَولِ"قدْ فُسِّرَ في الحديثِ. واخْتَلَفُوا في وجهِ الإشارةِ. فَقِيلَ: إنَّها رَمَتْ بِالْعِدَّةِ وَخَرَجَتْ مَنْها، كانْفصَالِهَا مِنْ هذِه البعْرَةِ ورمْيِها بِها. وَقِيلَ: هو إِشَارَةٌ إلى أنَّ الَّذي فَعَلَتْهُ وَصَبَرَتْ عَليْهِ، مِن الاعتِدَادِ سُنَّةٌ، ولُبْسِها شرَّ ثِيابِها، ولُزُومِها بيتًا صَغيرًا هينٌ بالنِّسبةِ إلى حقِّ الزَّوجِ، وما يَستحقُّهُ مِن المُراعَاةِ، كما يَهُوُنُ الرَّمْيُ بالبعْرَةِ.
وقولُها:"دَخَلَتْ حِفْشًا"بِكَسْرِ الْحاءِ المُهْمَلَةِ وسكونِ الفاءِ وبالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أي: بيتًا صَغِيرًا حَقِيرًا قرِيبَ السُّمْكِ.
وقولُها:"ثم تُؤْتَى بدابَّةٍ: حمارٍ، أو طيرٍ أو شاةٍ"هو بدلٌ مِنْ"دابَّةٍ"وقولُها"فَتَفْتَضُّ بهِ"بِفَتْحِ ثالثِ الحروفِ وسكُونِ الفاءِ، وآخرُهُ ضادٌ معجمَةٌ. قال ابنُ قُتيبةَ: سألتُ الحِجَازِيِّينَ عنْ معنىَ الافْتِضَاضِ؟ فذَكَرُوا: أنَّ المُعْتَدَّةَ كانتْ لا تَغْتَسِلُ، ولا تَمَسُّ ماءً، ولا تُقَلِّمُ ظُفُرًا. ثم تخرُجُ بعدَ الحوْلِ بأَقْبَحِ منْظَرٍ. ثمَّ تَفْتَضُّ، أي: تَكْسِرُ ما هيَ فيه من العِدَّةِ بطائرٍ، تَمْسَحُ به قُبُلَها وتَنْبُذُه، فلا يَكَادُ يعيشُ ما تَفْتَضُّ بِه. وقال مالكٌ: معناهُ تَمسْحُ بِه جِلْدَها. وقال ابنُ وهبٍ: تَمْسَحُ بيدِها عَلَيْهِ أوْ على ظَهْرِه. وقيل: معنَاهُ تمْسحُ بِه ثمِ تفْتَضُّ، أي: تَغْتَسِلُ.
و"الافْتِضَاضُ"الاغْتِسَالُ بالماءِ العذْبِ للإنْقَاءِ، وإزالَةِ الوَسخِ، حتَّى تصيرَ بَيضاءَ نقيَّةً، كالفِضَّةِ في نَقائِها وبياضِها. وقال الأخْفَشُ: معْناهُ تتنظَّفُ وتَتَنَقَّى من الدَّرَنِ، تشبيهًا لَها بالْفِضَّةِ في نَقائِها وبياضِها. وقيلَ: إن الشَّافِعيَّ روَى هذِه اللَّفْظَةَ بالقافِ والصَّادِ المهمَلةِ والباءِ ثانِي الحروفِ. والمعروفُ: هوَ الأَوَّلُ.