فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 381

وفيهِ بيانٌ لِحُكْمِ الأَمَةِ إذا لمْ تُحْصِنْ. والكتابُ العزيزُ تَعَرَّضَ لِحُكْمِهَا إذا أُحْصِنَتْ. وجمهورُ العُلَماءِ أنَّهُ إذا لم تُحْصَنْ تُجْلَدُ الحدَّ، ونُقِلَ عن ابنِ عباسٍ في العبدِ والأَمَةِ أنَّهُ قالَ: إذا لم يكُونَا مُزَوَّجَيْنِ فلا حدَّ عليهما، وإنْ كانا مُزَوَّجَيْنِ فعليهما نصفُ الحدِّ، وهوَ خَمْسُونَ. قالَ بعضُهُم: وبهِ قالَ طَاوُسٌ وأبو عُبَيْدٍ. وهذا مَذْهَبُ مَن تَمَسَّكَ بمَفْهُومِ الكتابِ العزيزِ. وهوَ قولُهُ تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (25:4) ، إلا أنَّ مذهبَ الجمهورِ راجحٌ؛ لأنَّ هذا الحديثَ نَصٌّ في إيجابِ الجَلْدِ على مَن لم يُحْصَنْ، فإذا تبيَّنَ بحديثٍ آخَرَ أنَّهُ الحدُّ، أو أُخِذَ من السِّيَاقِ، فهوَ مُقَدَّمٌ على المفهومِ.

و"الضَّفِيرُ"الحبلُ المَضْفُورُ، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ.

وَذَكَرَ بعضُهم أنَّ قولَهُ:"فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"، دليلٌ على أنَّ الزِّنَا عَيْبٌ في الرَّقِيقِ يُرَدُّ به؛ ولذلكَ حَطَّ من القِيمَةِ. قالَ: وفيهِ دليلٌ على جَوَازِ بيعِ غيرِ المَحْجُورِ عليهِ مالُهُ بما لا يَتَغَابَنُ بهِ النَّاسُ.

وفيما قالهُ في الأوَّلِ نَظَرٌ؛ لجوازِ أنْ يكونَ المقصودُ أنْ يَبِيعَهَا، وإن انْحَطَّتْ قيمَتُهَا إلى الضَّفِيرِ، فيكونُ ذلكَ إِخْبَارًا مُتَعَلِّقًا بحالٍ وُجُودِيٍّ، لا إخبارًا عن حُكْمِ شَرْعِيٍّ. ولا شَكَّ أنَّ مَن عَرَفَ بتكَرُّرِ زِنَا الأَمَةِ انْحَطَّتْ قيمَتُها عندَهُ.

وفيما قالَهُ في الثَّانِي نَظَرٌ أيضًا؛ لجوازِ أنْ يكونَ هذا العيبُ أوجبَ نُقْصَانَ قِيمَتِهَا عندَ النَّاسِ، فيكونُ بَيْعُهَا بالنُّقْصَانِ بَيْعًا بثمنِ الْمِثْلِ، لا بيعًا بما لا يَتَغَابَنُ الناسُ بهِ.

وفى الحديثِ دليلٌ على أنَّ المأمورَ بهِ هوَ الحدُّ الْمَنُوطُ بها دُونَ ضَرْبِ التعزيرِ والتأديبِ. ونُقِلَ عن أبي ثَوْرٍ أنَّ هذا الحديثَ إيجابُ الحدِّ، وإيجابُ البيعِ أيضًا، وأنْ لا يُمْسِكَهَا إذا زَنَتْ أربعًا.

وقدْ يُقَالُ: إنَّ في الحديثِ إشارةً إلى إِعْلَامِ البائعِ الْمُشْتَرِيَ بعَيْبِ السِّلْعَةِ؛ فإنَّهُ إنَّما تَنْقُصُ قيمتُها بالعلمِ بعَيْبِها. ولو لم يُعْلَمْ لم تَنْقُصْ. وفيهِ نَظَرٌ.

وقدْ يُقَالُ أيضًا: إنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّ العُقُوباتِ إذا لم تُفِدْ مَقْصُودَهَا من الزَّجْرِ لم تُفْعَلْ، فإنْ كانتْ واجبةً كالحدِّ، فَلَتُرِكَ الشَّرْطُ في وجُوبِها على السَّيِّدِ، وهوَ الْمِلْكُ؛ لأنَّ أحدَ الأمْرَيْنِ لازمٌ: إمَّا تَرْكُ الحدِّ، ولا سبيلَ إليهِ لوجُوبِهِ. وإمَّا إزالَةُ شَرْطِ الوجوبِ، وهوَ المِلْكُ، فَتعيَّنَ. ولم يَقُل: اتركوها، أو حُدُّوهَا كُلَّما تكرَّرَ؛ لأجْلِ ما ذَكَرْنَاهُ، واللَّهُ أعلمُ.

فيخرجُ عن هذا التَّعْزِيرَاتُ التي لا تُفِيدُ؛ لأنَّها ليستْ بواجبةِ الفعلِ فيُمْكِنَ ترْكُها.

352 -الحديثُ الرَّابِعُ: عن أبي هُريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أتى رَجُلٌ من المُسلمينَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ -وهوَ في المسجدِ- فَنَاداهُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عنهُ. فتنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فأَعْرضَ عنهُ، حتى ثَنَّى ذلكَ عليهِ أربعَ مراتٍ. فلمَّا شَهِدَ على نفسِهِ أربعَ شَهَاداتٍ دَعَاهُ رسولُ اللَّهِ فقالَ:"أَبِكَ جُنُونٌ؟"قالَ: لا، قالَ:"فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟"قَالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ".

قالَ ابنُ شهابٍ: فأخبرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: كنتُ فيمنَ رجَمَهُ. فرَجَمْنَاهُ بالمُصَلَّى. فلمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجارةُ هَرَبَ، فأَدْرَكْنَاهُ بالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ.

"الرَّجُلُ"هوَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ. روى قصَّتَهُ جابرُ بنُ سَمُرَةَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ، وأبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وبُرَيْدَةُ بنُ الخَصِيبِ الأسْلَمِيُّ.

ذهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ تَكْرَارَ الإقرارِ بالزنَا أربعًا شَرْطٌ لوجوبِ إقامةِ الحدِّ، ورأوا أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ في هذا الحديثِ إنما أَخَّرَ الحدَّ إلى تمامِ الأربعِ؛ لأنَّهُ لم يَجِبْ قبلَ ذلكَ. وقالوا: لو وجَبَ بالإقرارِ مرَّةً لما أخَّرَ الرسولُ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت