القابلِ.
وَقَدْ ذهبَ شُذَّاذٌ من الناسِ إِلَى ثبوتِ الشفعةِ فِي المنقولاتِ، واسْتَدَلَّ بصدرِ الحديثِ مَن يقولُ بِذَلِكَ، إِلاَّ أن آخرَه وسياقَه يُشْعِرُ بأن المُرَادَ بِهِ العَقارُ، وَمَا فِيهِ الحدودُ وصرفُ الطرقِ.
285 -الحديثُ الخامسُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُوهَبُ، وَلاَ يُورَثُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمْرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ ) ). وَفِي لفظٍ: (( غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ ) ).
الحديثُ دليلٌ عَلَى صحَّةِ الوقفِ والحبسِ عَلَى جهاتِ القُرُبَاتِ، وَهُوَ مشهورٌ مُتَدَاوَلُ النقلِ بأرضِ الحجازِ، خلفًا عن سلفٍ، أعني الأوقافَ، وَفِيهِ دليلٌ عَلَى مَا كَانَ أكابرُ السلفِ والصالحينَ عَلَيْهِ، من إخراجِ أنفَسِ الأموالِ عندَهم للهِ تَعَالَى، وانظرْ إِلَى تعليلِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لمقصودِه بكونِه (( لم يُصِبْ مالًا أنفسَ عندَه مِنْهُ ) ).
وقولُه: (( تَصدَّقْتُ بِهَا ) )، يَحْتَمِلُ أن يكونَ راجعًا إِلَى الأصلِ الْمُحْبَسِ، وَهُوَ ظاهرُ اللفظِ، ويَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَا تَكَلَّمَ فِيْهِ الفقهاءُ من ألفاظِ التحبيسِ، التي مِنْهَا (( الصدقةُ ) )، ومن قَالَ مِنْهُمْ بأنَّه لابدَّ مِن لفظٍ يَقْتَرِنُ بِهَا، يدلُّ عَلَى معنى الوقفِ والتحبيسِ، كالتحبيسِ المذكورِ فِي الحديثِ، وكقولِنا: (( مُؤَبَّدَةٌ ) ) (( مُحَرَّمَةٌ ) )أَوْ (( لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ ) )، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قولُه: (( وتصدَّقْتُ بِهَا ) )راجعًا إِلَى الثمرةِ، عَلَى حذفِ المضافِ، ويبقى لفظُ (( الصدقةِ ) )عَلَى إطلاقِه.
وقولُه: (( فتصدَّقَ بِهَا، غيرَ أَنَّهُ لاَ يباعُ ... إلخ ) )محمولٌ عندَ جماعةٍ - مِنْهُمْ الشَّافعيُّ - عَلَى أن ذَلِكَ حُكْمٌ شرعيٌّ ثابتٌ للوقفِ، من حَيْثُ هُوَ وقفٌ، وَيُحْتَمَلُ من حَيْثُ اللفظُ أن يكونَ ذَلِكَ إرشادًا إِلَى شرطِ هَذَا الأمرِ فِي هَذَا الوقفِ، فيكونُ ثبوتُه بالشرطِ لاَ بالشرعِ، والمصارفُ التي ذكرَها عمرُ، رَضِيَ الله عَنْهُ، مصارفُ خيراتٍ، وَهِيَ جهةُ الأوقافِ، فَلاَ يُوقَفُ عَلَى مَا لَيْسَ بقربةٍ من الجهاتِ العامَّةِ.
و (( القُرْبَى ) )يرادُ بِهَا ههنا قُرْبَى عمرَ ظاهرًا، و (( الرقابُ ) )قَدْ اخْتُلِفَ فِي تفسيرِها فِي بابِ الزكاةِ، ولابدَّ أن يكونَ معناها معلومًا عندَ إطلاقِ هَذَا اللفظِ، وَإِلاَّ كَانَ المَصْرَفُ مجهولًا بالنسبةِ إليها، و (( فِي سبيلِ اللهِ ) )الجهادُ عندَ الأكثرينَ، وَمِنْهُمْ مَن عدَّاه إِلَى الحجِّ، و (( ابنُ السبيلِ ) )المسافرُ، والقرينةُ تقتضي اشتراطَ حاجتِه، و (( الضيفُ ) )مَن نزلَ بقومٍ، والمرادُ قِرَاهُ، وَلاَ تقتضي القرينةُ تخصيصَه بالفقرِ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى جوازِ الشروطِ فِي الوقفِ واتِّباعِها، وَفِيهِ دليلٌ عَلَى المسامحةِ فِي بعضِها، حَيْثُ عَلَّقَ الأكلَ عَلَى المعروفِ، وَهُوَ غيرُ مُنْضَبِطٍ.
وقولُه: (( غيرَ مُتَأَثِّلٍ ) )أي: مُتَّخِذِ أصلِ مالٍ، يقالُ: تَأَثَّلْتُ المالَ، اتَّخَذْتُهُ أصلًا.
286 -الحديثُ السادسُ: عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لاَ تَشْتَرِهِ، وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإِنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ) ).