المقصودُ من الحراسةِ. فرَّبما أدَّى الحالُ إِلَى أنْ يقعَ فِي الصلاةِ الضَّربُ والطَّعنُ وغيرُ ذلكَ مِن منافياتِ الصَّلاةِ، ولو وقعَ فِي هذهِ الصُّورةِ لكانَ خارجَ الصَّلاةِ. وليسَ بمحذورٍ.
ومقتضَى الحديثِ أيضًا: أَنَّ الطائفةَ الثانيةَ تُتمُّ لأنفسِهَا قبلَ فراغ الإمامِ. وفيهِ ما فِي الأوَّلِ.
ومقتضاهُ أيضًا: أنه يثبتُ حتَّى تُتِمَّ لأنفُسهَا وتُسلِّمَ. وهو اخْتِيَارُ الشَّافعيِّ, وقولٌ فِي مذهبِ مالكٍ. وظَاهِرُ مَذْهبِ مَالِكٍ: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ، وتقضِي الطائفةُ الثانيةُ بَعْدَ سلامهِ. ورَّبما ادَّعى بعضُهم: أنَّ ظاهرَ القرآنِ يدلُّ على أنَّ الإمامَ ينتظرُهم ليسلِّمَ بهمْ، بناءً على أنه فَهِمَ من قولهِ تَعالى: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) [النساءِ: 102] أي بقيَّةَ الصَّلاةِ التِي بقيتْ للإِمامِ. فإذا سلَّم الإمامُ بهمْ فقدْ صلَّوا معهُ البقيَّةَ وإذا سلَّمَ قبلهُمْ فلمْ يُصلُّوا معهُ البقيَّةَ. لأن السلامَ من البقَّيةِ. وليسَ بالقويِّ الظُّهورَ.
وقد يَتعلَّقُ بلفظِ الرَّاوي مَن يَرى أنَّ السَّلامَ ليسَ مِن الصَّلاةِ، من حيث ُإنَّهُ قال: فصلَّى بهم الرَّكعَة التي بقيتْ، فجعلَهُم مُصَلِّينَ معهُ لما يُسمَّى ركعةً. ثمَّ أتى بلفظةِ: ثمَّ ثبتَ جالسًا، وأتَمُّوا لأنفسِهِمْ. ثمَّ سلَّم بهِمْ، فجعلَ مَسمَّى (( السَّلامِ ) )متراخيًا عن مُسمَّى (( الركعةِ ) )إلَّا أنَّه ظاهرٌ ضعيفٌ. وأقوى منهُ فِي الدَّلالةِ: ما دلَّ على أنَّ السَّلامَ مِن الصلاةِ. والعملُ بأقوَى الدَّليلينِ مُتعيَّنٌ. واللهُ أعلمُ.
156 -الحديثُ الثالثُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ، رضَي اللهُ عنهمَا، قالَ: شَهِدْتُ معَ رسولِ اللهِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنا صَفَّيْنِ خَلْفَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وبَيْنَ القِبْلَةِ، وَكَبَّرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوِعِ وَرَفَعْنَا جَميعًا، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصفُ الذي يَليهِ، وَقَام، الصَّفُّ المُؤخَّرُ فِي نَحْرِ العدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ، وقَامَ الصَّفُّ الذي يَلِيهِ: انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بالسُّجُودِ، وقامُوا، ثمَّ تَقدَّمَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ وَتأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثمَّ رَكَعَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَكَعْنَا جَميعًا، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثمَّ انحدَرَ بالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الذي يَلِيه - الذي كانَ مُؤخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى - فَقَامَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الذي يَلِيِه: انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثمَّ سَلَّم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا، قال جابِرٌ: كمَا يصنعُ حَرَسُكُمْ هؤلاءِ بأمرائِهِمْ )) . وذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمامِهِ. وذَكَرَ الْبُخَاريُّ طَرَفًا مِنْهُ، وَأَنَّهُ: صَلَّى صلاةَ الْخَوْفِ مَعَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقاعِ )) .
هذه كيفيةُ الصَّلاةِ إذا كانَ العدوُّ فِي جهةِ القبلةِ. فإِنَّه تَتأتَّى الحِراسةُ مع كونِ الكُلِّ مع الإمامِ فِي الصَّلاةِ. وفيها التأخيرُ عن الإمامِ لأجلِ العَدُوِّ. والحديثُ يدلُّ على أمورٍ.
أحدُها: أنَّ الحراسةَ فِي السُّجودِ لا فِي الرُّكوعِ، هذا هوَ المذهبُ المشهورُ. وحُكيَ وجهٌ عن بعضِ أصحابِ الشَّافعيِّ: أنه يحرسُ فِي الرُّكوعِ أيضًا. والمذهبُ: الأوَّلُ؛ لأنَّ الركوعَ لا يمنعُ من إدراكِ العدوِّ بالبصرِ. فالحراسةُ ممكنةٌ معهُ، بخلافِ السُّجودِ.
الثاني: المرادُ بالسُّجودِ الذي سجدهَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسجدَ معهُ الصَّفُّ الذي يليهِ: هو السجدتانِ جميعًا.