لِلحَقِيقَةِ، وَإِذَا انْتَفَتْ الحَقِيقَةُ انْتَفَتْ مَعَ كُلِّ قَيْدٍ، أَمَّا إِذَا نُفِيتْ مُقَيَّدَةً بِقَيْدٍ مَخْصُوصٍ، لَمْ يَلْزَمْ نَفْيُهَا مَعَ قَيْدٍ آخَرَ، هَذَا أَو مَعْنَاهُ.
الخَامِسُ: الحَدِيثُ دَلَّ بِصَرِيحِهِ عَلَى أَنَّ لِلجُنُبِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الفُقَهَاءُ، إِلَّا أَنَّه رُوِيَ عَن عُمَرَ، وَابنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُمَا مَنعَا تَيَمُّمَ الجُنُبِ، وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ التَّابِعِينَ وَافَقَهُمَا، وَقِيلَ: رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ. وَكَأَنَّ سَبَبَ التَّرَدُّدِ مَا أََشَرْنَا إِلَيْهِ مِن حَمْلِ المُلَامَسَةِ عَلَى غَيْرِ الجِمَاعِ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ عِنْدَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
38 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَعَثَنِى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِد الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: (( إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ) )ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ.
(( عَمَّارُ بنُ يَاسِرِ ) )بنِ عَامرِ بنِ مَالِكِ بنِ كِنانَةَ، أَبُو اليَقْظَانِ العَنْسِيُّ - بِنُونٍ بَعْدَ المُهْمَلَةِ - أَحَدُ السَّابِقِينَ مِن المُهَاجِرِينَ، وَمِمَّن عُذِّبَ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، قُتِلَ - بِلَا خِلَافٍ - بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ.
وَالكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: يُقَالُ: (( أَجْنَبَ ) )الرَّجُلُ، وَجَنُبَ بِالضَّمِّ، وَجَنَبَ بِالفَتْحِ، وَقَدْ مَرَّ.
الثَّانِي: قَولُهُ: (( فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ) )كَأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِقِيَاسٍ لَابُدَّ فِيهِ مِن تَقَدُّمِ العِلْمِ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ، وَكَأَنَّه لَمَّا رَأَى أَنَّ الوُضُوءَ خَاصٌ بِبَعْضِ الأَعْضَاءِ وَكَانَ بَدَلُهُ - وَهُوَ التَّيَمُّمُ - خَاصًّا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ الغُسْلِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ البَدَنِ عَامًّا لِجَمِيعِ البَدَنِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: فِي هَذَا الحَدِيثِ إبْطَالُ القِيَاسِ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا قَدَّرَ أَنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ مِن التَّيَمُّمِ لِلجَنَابَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الغُسْلِ لِلجَنَابَةِ، إِذْ هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ لِكُلِّ شَيءٍ حُكْمَهُ المَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَالجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ الحَدِيثَ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا القِيَاسِ الخَاصِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِن بُطْلَانِ الخَاصِّ بُطْلَانُ العَامِّ، وَالقَائِسُونَ لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ كُلِّ قِيَاسٍ، ثُمَّ فِي هَذَا القِيَاسِ شَيءٌ آخَرُ، وَهُو أنَّ الأَصْلَ - الَّذِي هُوَ الوُضُوءُ - قَدْ أُلْغِىَ فِيهِ مُسَاوَاةُ البَدَلِ لَهُ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَعُمُّ جَمَيْعَ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، فَصَارَ مُسَاوَاةُ البَدَلِ لِلأَصْلِ مُلْغًى فِي مَحَلِّ النَّصِّ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي المُسَاوَاةَ فِي الفَرْعِ، بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ القِيَاسِ، فَإِنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّمَا كَانَ يَكْفِي كَذَا وَكَذَا ) )يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَفَاهُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَولِنَا: لَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَان مُصِيبًا، وَلَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ قاَئِسًا لِلتَّيَمُّمِ لِلجَنَابَةِ عَلَى التَّيَمُّمِ لِلوُضُوءِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ (( اللَّمْسُ ) )المَذْكُورُ فِي الآيَةِ لَيسَ هُوَ الجِمَاعُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عَمَّارٍ هُوَ الجِمَاعُ، لَكَانَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ مُبَيَّنًا فَي الآيَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَمَرَّغَ، فَإِذَنْ فِعْلُهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ لَيسَ عَامِلًا بِالنَّصِّ بَلْ بِالقِيَاسِ، وَحُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ كَانَ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ عَلَى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ، مَعَ مَا بَيَّنَّا