فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 381

هذا الحديثُ: فيهِ دلالةٌ علَى الوعيدِ المذكورِ كالأوَّلِ، وفيه شيءٌ آخَرُ يتعلَّقُ بمسألةٍ اختلفَ فيها الفقهاءُ، وهوَ ما إذا ادَّعَى علَى غريمِهِ شيئًا، فأنكَرَهُ وأحْلَفَهُ، ثمَّ أرادَ إقامةَ البيِّنةِ عليه بعدَ الإحلافِ. فلَهُ ذلك عندَ الشافعيَّةِ. وعندَ المالكيَّةِ: ليسَ له ذلك، إلَّا أنْ يأتِيَ بعُذْرٍ في ترْكِ إقامةِ البيِّنةِ يتوَجَّهُ له. وربَّمَا يتمسَّكُونَ بقولِهِ عليهِ السلامُ:"شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ"وفي حديثٍ آخرَ:"لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ"وَوجْهُ الدليلِ منهُ: أنَّ"أَوْ"تقتضِي أحدَ الشيئيْنِ، فلوْ أجزْنَا إقامةَ البيِّنةِ بعدَ التحليفِ: لكانَ له الأمرانِ معًا - أعنِي اليمينَ، وإقامةَ البيِّنةِ - معَ أنَّ الحديثَ يقتضِي: أنْ ليسَ لهُ إلَّا أحدُهُمَا.

وقد يُقالُ في هذا: إنَّ المقصودَ من الكلامِ: نفْيُ طريقٍ أُخرَى لإثباتِ الحقِّ، فيعودُ المعنَى إلَى حصْرِ الحُجَّةِ في هذيْنِ الجنسيْنِ - أعنِي البيِّنةَ واليمينَ - إلَّا أنَّ هذا قليلُ النفعِ بالنسبةِ إلَى المناظرةِ. وفهْمُ مقاصدِ الكلامِ نافعٌ بالنسبةِ إلَى النَّظرِ. وللأصوليِّينَ في أصْلِ هذا الكلامِ بحْثٌ. ولم يُنَبِّهْ علَى هذا حقَّ التَّنْبِيهِ -أعْنِي اعتبارَ مقاصدِ الكلامِ- وبسطَ القولَ فيهِ، إلا أحدُ مشايخِ بعضِ مشايخِنَا من أهلِ المغربِ. وقدْ ذكرَهُ قبلَهُ بعضُ المُتَوَسِّطِينِ من الأُصوليِّينَ المالكيِّينَ في كتابِهِ في الأُصولِ، وهوَ عندي قاعدةٌ صحيحةٌ، نافعةٌ للناظرِ في نفسِهِ، غيرَ أنَّ المُنَاظِرَ الجدَلِيَّ قدْ يُنَازِعُ في المفهومِ. ويَعْسُرُ تقريرُهُ عليهِ.

وقد استدلَّ الحنفيَّةُ بقولِهِ عليهِ السلامُ:"شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"علَى تَرْكِ العملِ بالشاهدِ واليمينِ.

367 -الحديثُ السابعُ: عن ثابتِ بنِ الضَحَّاكِ الأنصاريِّ رضِيَ اللَّهُ عنهُ، أَنَّهُ بَايَعَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ:"مَنْ حَلَفَ علَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ علَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ".

وفي روايةٍ:"وَلَعْنُ المُؤمِنِ كَقَتْلِهِ".

وفي روايةٍ:"مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً؛ لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا قِلَّةً".

فيهِ مسائلُ.

المسألةُ الأُولَى: الحَلِفُ بالشَّيْءِ حقيقةً، هوَ القسمُ بهِ، وإدخالُ بعضِ حروفِ القسمِ عليهِ. كقولِهِ:"واللَّهِ، والرَّحمنِ"، وقدْ يُطْلَقُ علَى التعليقِ بالشيءِ يمينٌ، كما يقولُ الفقهاءُ: إذا حلفَ بالطلاقِ علَى كذا، ومُرَادُهُم تعليقُ الطلاقِ بهِ، وهذا مجازٌ؛ وكأنَّ سببَهُ مُشَابَهَةُ هذا التعليقِ باليمينِ في اقتضاءِ الحِنْثِ أو المَنْعِ.

إذا ثبتَ هذا، فنقولُ: قولُهُ عليهِ السلامُ:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ"، يَحْتَمِلُ أنْ يُرَادَ بهِ المعنَى الأوَّلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرَادَ بهِ المعنَى الثَّانِي. والأقربُ أنَّ المُرادَ الثاني؛ لِأَجْلِ قولِهِ:"كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا"، والكَذِبُ يَدْخُلُ القضيَّةَ الإخباريَّةَ التي يقعُ مُقْتَضَاهَا تَارَةً، وتَارَةً لا يَقَعُ. وأمَّا قولُنَا:"واللَّهِ"وما أشبهُهُ، فليسَ الإخبارُ بها عن أمْرٍ خارجيٍّ، وهيَ للإنشاءِ -أعْنِي إنشاءَ القسمِ- فتكونُ صورةُ هذا اليمينِ علَى وجهَيْنِ؛ أحدُهُما: أنْ يتعلَّقَ بالمُسْتَقْبَلِ، كقولِهِ"إنْ فعلْتُ كذا فهوَ يَهُودِيٌّ أو نصرانِيٌّ"، والثاني: أنْ يتعلَّقَ بالماضي، مثلُ أنْ يقولَ:"إنْ كُنْتُ فعلْتُ كذا فهوَ يهوديٌّ أو نصرانيٌّ"، فأمَّا الأوَّلُ، وهوَ ما يتعلَّقُ بالمُسْتَقْبَلِ فلا تتعلَّقُ بهِ الكَفَّارةُ عندَ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، وأمَّا عندَ الحنفيَّةِ ففيها الكفَّارةُ. وقد يتعلَّقُ الأوَّلونَ بهذا الحديثِ؛ فإنَّهُ لم يذْكُرْ كفَّارَةً، وجعلَ المُرَتَّبَ علَى ذلكِ قولُهُ:"هوَ كما قالَ"، وأمَّا إنْ تعلَّقَ بالماضي، فقد اختلفَ الحنفيَّةُ فيهِ، فقيلَ: إنَّهُ لا يُكَفَّرُ؛ اعتبارًا بالمُسْتَقْبَلِ. وقيلَ: يُكَفَّرُ؛ لأنَّهُ تَنْجِيزُ معنًى، فصارَ كما إذا قالَ"هوَ يهوديٌّ"، قالَ بعضُهُمْ: والصحيحُ أنَّهُ لا يُكَفَّرُ فيهِمَا، إنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ يمينٌ. وإنْ كانَ عندَهُ أنَّهُ يُكَفَّرُ بالحَلِفِ، يُكَفَّرُ فيهِما؛ لأنَّهُ رضيَ بالكُفْرِ، حيثُ أقدمَ علَى الفعلِ.

المسألةُ الثانيةُ: قولُهُ عليهِ السلامُ:"وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، هذا من بابِ مُجَانَسَةِ العُقوباتِ الْأُخْرَوِيَّةِ للجناياتِ الدُّنْيَويَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت