بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[قالَ الشَّيخُ القَاضِي عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعيلُ بنُ تَاجِ الدِّينِ أَحْمَدَ بنِ سَعيدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الأثِيرِ الحَلَبِيُّ الشَّافِعِيُّ] : الحَمْدُ لِلَّهِ مُنَوِّرِ البَصَائِرِ بِحقَائِقِ مَعَارِفهِ، وَمُصَوِّرِ الخَواطِرِ خَزائِنَ لدِقَائقِ لَطَائِفِهِ، الَّذِي أَوْدعَ القُلُوبَ مِن حِكَمِهِ جَواهرَ، وَجَعلَ نجومَ الهِدَايةِ بِذِكرِهِ زَوَاهِرَ، أَحْمَدُهُ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَى الحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَأعْتقِدُ التَّقْصيرَ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ العبْدُ مِن شُكْرِ نِعَمِه ونَواهُ، وَأشهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَه، شِهَادةً تَكُونُ للنَّجَاةِ وَسِيلةً، وبِرَفِعِ الدَّرجَاتِ كَفيلةً، وأشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه وَرَسُولُه الَّذِي بَعَثَهُ وطُرُقُ الإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثارُهَا، وخَبَتْ أنْوارُهَا، وَوَهَتْ أَركَانُها، وجُهِلَ مكاَنُهَا، فشَيَّدَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن معَالِمِها ما عَفَى، وشَفَى من العَليلِ فِي تأْيِيدِ كلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَا كَانَ عَلى شَفَى، وَأوْضَحَ سَبيلَ الهِدَايةِ لِمَن أرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وأَظهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَن أَحَبَّ أَنْ يَمْلِكَهَا، وَميَّزَ شرَفَ الحَقِّ بَعْدَ أََنْ كَانَ مُبْهَمًا، وأقامَ مِيزَانَ الشَّرْعِ بِاتِّباعِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَعْدَ أنْ كَانَ الوُجودُ قد خَلاَ مِنهُما، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبهِ أهْلِ المَجْدِ والعُلاَ، الَّذِينَ تَحَلَّوا مِن المَحَاسِنِ بِأَبْهَى الحُلَى، فَأَصبَحُوا شُهَداءَ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وقَامُوا مِن أََوامِرِه بسُنَّتِهِ وفَرْضِهِ، وَفَتَحُوا مِن الإِيمَانِ بَابًا مُرتَجًا، وَتَنزَّلُوا مِن العِبَادِ مَنَازِلَ النُّجُومِ الَّتِي مِنهَا معَالِمُ الهُدَى، ومصَاَبِيحُ تَجْلُو الدُّجَى، فَهُمْ وَسَائلُ النَّجَاةِ، والمُشَارُ إِلَيهِم بِقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المُجَادَلَة: 11] ، صَلاَةً دَائمَةً مَا عَلِمَ عالمٌ، وشُيِّدتْ لِلدِّينِ مَعالمٌ.
وَبعْدُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ العِلْمُ أشْرَفَ مَا خُلِقَ فِي الوُجُودِ، وَأَعَزَّ مَا يُنعِمُ اللهُ بِهِ علَى عِبادِه ويَجُودُ، شرَّفَ مَن اختَارَهُ مِنْهُم بِهَذَا الشِّعارِ وَملَّكَهُمْ بِهِ مَلَابسَ التّقْوَى وَالوَقارِ، لَمَّا اعتَزَّ غَيرُهُم مِنْها بالثَّوبِ المُعَارِ، وَخَصَّهْم مِنَ المَزِيَّةِ أَنْ قَرَنَ ذِكْرَهُم بِذِكرِهِ، وَأَكْرَمَهُم بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَمَا أَجْدَرَهُم بِشُكْرِهِ، وَأوْرَدَ وَصْفَهُم لِوَصْفِهِ ثَانِيًا، وَجَعَلَ جَنَى السَّعَادَةِ مِنْهُمْ بِهَذَا القُرْبِ دَانِيًا، وَفَضَّلَهُم عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَرْشَدَ بِهِمْ عِبَادَهُ إِلَى سُبُلِ الحَقِّ وَطُرُقِهِ، وَأَرَادَ بِهِمْ خَيرًا، حَيثُ فَقَّهَهُم فِي الدِّينِ، وَأَمَرَ الخَلاَئِقَ باتِّباعِهِم لَمَّا تَمَسَّكوا بِحَبلِ اللهِ المَتِينِ، وأعزَّهم باخْتِصَاصِ كلٍّ مِنْهُم واصْطِفَائِهِ، وأكْرَمَهُم بأَن جَعَلهُمْ وَرَثةَ أَنبيائِهِ، وفَضَّل العِلْمَ على العِبَادَةِ مَا لَمْ تَكُن بِهِ مُقْتَرِنَةٌ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بَيْنَ العَالِمِ وَالْعَابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الجَوَادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً ) )، وَمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِلَّا العِلْمَ النَّافِعَ، الَّذِي يُبْلَغُ بِهِ رِضَى اللّهِ الأَمَلَ، وَالَّذِي يَنْفَعُ مَعَهُ القَلِيلُ مِن العَمَلِ.
وَلَمَّا عَرَفْتُ هَذِهِ الحَالَةَ، عَلِمْتُ أنِّي فِي الإِعْرَاضِ عَن ذَلِكَ عَلَى غَرَرٍ مِنْ أَمْرِي، وَقُلْتُ: إِنَّ الخُسْرَانَ مَوْجُودٌ عِنْدِي، فِي لَيَالٍ تَمُرُّ بِلا نَفْعٍ، وتُحْسَبُ مِن عُمْرِي، فَآثَرْتُ أَنْ أَتَمَسَّكَ مِن أخْبَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَرْجُو بِهِ النَّجَاةَ مِن هَذَا الخَطَرِ، وَأََبْلُغَ مِن اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرةِ وَأََحْكَامِهَا الوَطَرَ، فَاخْتَرْتُ حِفْظَ الكِتَابِ المَعُرُوفِ (( بالعُمْدَةِ ) )لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى أبَوابِ الفِقْهِ، وجَعَلَهُ خَمْسَمِائةِ حَديثٍ، فوَجَدتُّ الأَحَاديثَ كُلُّ لَفْظَةٍ مِنْهَا تَحْتَاجُ إِلَى بَحْثٍ وَتَدْقِيقٍ، وتَفْتَقِرُ إِلَى كَشْفٍ وَتَحْقِيقٍ؛ لأَنَّ كَلاَمَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَحْرٌ يُغَاصُ فِيهِ عَلَى جوَاهِرِ المَعَانِي، ولا يَسْتَخْرِجُ حِكَمَهُ إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، الَّذِينَ أضحَتْ خَوَاطِرُهُمْ بهِ آهِلَةَ المَعَانِي، فَوقَفْتُ مِن ذَلِكَ للْقاضِي عَيَّاضٍ، رَحِمَهُ اللهُ، عَلَى الكِتابِ المَعْروفِ (( بالإِكْمالِ ) )، فَوَجَدتُّه قَد احْتوى فِي شَرحِهِ عَلَى التفْصِيلِ والإِجمَالِ، لِكنَّهُ اقتَصَرَ على شَرْحِ أَحَاديثِ الإِمامِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ،