فَاخْتَرتُ أََنْ أعْلَمَ مَعَانِيَ الأحَاديثِ الَّتِي أَورَدَهَا صَاحِبُ (( العُمْدَةِ ) )وَأسْنَدَها إِلَى الإِمَامَينِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، رَحِمَهُمَا اللهُ، فَلَمْ أَجِدْ مِن عُلَمَاءِ الوقْتِ مَن يَعْرِفُ هَذَا الفَنَّ إِلَّا وَاحِدَ عَصْرِهِ، وَفَرِيدَ دَهْرِهِ، وَاسِطَةَ عِقْدِ الفَضَائِلِ، ملْحِقَ الأوَاخِرِ بالأوَائِل، الشْيخَ العَالمَ الفاضِلَ، الوَرعَ الزاهِدَ، حجَّةَ العُلماءِ قُدُوةَ البُلَغَاءِ، أشْرَفَ الزُّهادِ، بَقِيَّةَ السَّلفِ، مُفِتي المُسْلِمينَ، أبَا الفَتْحِ، تَقِيَّ الدِّينِ، مُحمدَ بنَ الشَّيخِ الإِمامِ مَجْدِ الدِّينِ أَبي الحُسينِ عَلِيِّ بنِ وَهْبِ بِنِ مُطيعٍ القُشَيْرِيَّ، رَحِمَهُ اللهُ، العَامِلَ بِعِلْمِه، المُحَقَّقَ فِي إِفْهامِه وَفَهْمِه المُتَّبِعَ ما أَمَر اللَّهُ بِهِ من حُكْمِهِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى، وَنَفَعَ بِهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي فاقَ النُّظَرَاءَ والأَمْثالَ، واتَّصَفَ مِن المَحَاسِنِ بِمَا تُضْرَبُ بِهِ الأَمثَالُ، فَوَجَّهتُ وَجهَ آمَالِي إِلَيْهِ، وَعَوَّلتُ فِي فَهِمْ مَعَانِي هَذَا الكِتَابَ عَلَيه، وَعَرَّفْته القَصْدَ مِمَّا أريدُ، وأَصْغيْتُ لِمَا يُبدِي فيه مِن القَوْلِ وَمَا يُعيدُ، فأمْلَى عليَّ من مَعانِيه كلَّ فَنٍّ غريبِ، وكلَّ مَعْنًى بَعَيدٍ عَلَى غَيرِهِ أنْ يخْطُرَ بِبَالِه وَهُوَ عَليه قَريبٌ، فَعَلَّقتُ مَا أوْرَدَهُ وحُمْتُ عَلَى مَنْهَلِ فَضْلِهِ، رَجاءَ أَنْ أَرِدَ ما وَرَدَهُ، فإِنَّهُ لَمَّا كَانَ طَلَبُ العِلْمِ على كُلِّ مُسْلِمٍ وَاجبًا، اختَرْتُ أَنْ أكُونَ مِنْ طَلَبَتِهِ، فَإِن لَمْ أَمُتْ عَالِمًا مُتُّ طَالِبًا، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالإِخْلاَصِ فِي ذَلِكَ بَعْضَ تَحَمُّلِى لِأَوْزَارِ الدُّنيَا وَاقتِرَافِي، وَيُسَامِحَنِي بِعَفْوِهِ عَن ذُنُوبٍ إِذَا ادُّعِيَ عَلَيَّ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِي حُجَّةٌ فِيَها إِلَّا اعْتِرَافِي، وَقَد وَثِقَتْ آمَالِي بِالنَّجْحِ اعتِمَادًا عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنةُ، وَتَأَمَّلْتُ مَعْنَى قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلبُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) )، وَسَمَّيتُ مَا جَمَعتُه مِن فَوائِدِه والتَقَطُّهُ مِن فَرَائِدِه بِـ (( إِحْكامِ الأَحْكَامِ فِي شَرْحِ أَحَادِيثِ سَيِّدِ الأَنَامِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكرَّمَ ) )، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ باقِيًا، وَمِن مَكرُوهِ الذُّنُوبِ مُنْجِيًا ووَاقِيًا، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَديرٌ.