فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 381

يقالُ له: (( كُدَىٌّ ) )بضمِّ الكافِ وفتحِ الدَّالِ وتشديدِ الياءِ، وليسَ هو السُّفلى على المعروفِ. و (( الثنيةُ ) )طريقٌ بينَ الجبليْنِ. والمشهورُ: استحبابُ الدُّخولِ مِن كَدَاءٍ، وإن لم تكنْ طريقَ الداخلِ إِلَى مكَّةَ، فيُعَرِّجُ إليهَا. وقيلَ: إنما دخلَ النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهَا؛ لأنهَا على طريقِه. فلا يُسْتَحَبُّ لمن ليستْ على طريقِهِ. وفيهِ نظرٌ.

225 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللهِِ بنِ عُمرَ، رضيَ اللهُ عنهُمَا، قَالَ: (( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ البَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالًا , فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ) ).

فيهِ أمرانِ:

أحدُهما: قبولُ خبرِ الواحدِ. وهو فردٌ من أفرادٍ لا تُحصَى , كما قدَّمناهُ. وفيه جوازُ الصَّلاةِ فِي الكعبةِ. وقد اختُلِفَ فِي ذلكَ. ومالكٌ فرَّقَ بينَ الفرضِ والنَّفلِ، فكرِهَ الفرضَ أو منعَهُ. وخفَّفَ فِي النفلِ؛ لأنهُ مَظِنَّةُ التخفيفِ فِي الشُّروطِ.

وَفِي الحديثِ: دليلٌ أيضًا على جوازِ الصلاةِ بينَ الأَساطينِ والأعمدةِ، وإن كانَ يُحْتَمَلُ أن يكونَ صلَّى فِي الجهةِ التى بينَهمَا، وإن لم يكنْ فِي مَسامتَتِهمَا حقيقةً، وقد وردتْ فِي ذلكَ كراهةٌ، فإن لمْ يصحَّ سندُها قُدِّمَ هذا الحديثُ وعُمِلَ بحقيقةِ قولِهِ: (( بينَ العمودينِ ) )وإن صحَّ سندُها: أُوِّلَ بما ذكرناهُ: أنه صلَّى فِي سَمتِ ما بينهمَا, وإن كانتْ آثارًا فقطْ: قُدِّم المسندُ عليهَا.

226 -الحديثُ الرابعُ: عَنْ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، (( أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ) ).

فيهِ دليلٌ على استحبابِ تقبيلِ الحجرِ الأسودِ, وقولُ عمرَ هذَا الكلامَ فِي ابتداءِ تقبيلهِ؛ ليُبَيِّنَ أنه فعلَ ذلكَ اتِّباعًا؛ وليُزيلَ بذلكَ الوهمَ الَّذِي كانَ ترتَّبَ فِي أذهانِ النَّاسِ فِي أيَّامِ الجاهليَّةِ. ويُحقِّقَ عدمَ الانتفاعِ بالأحجارِ من حيثُ هيَ هيَ، كمَا كانتِ الجاهليَّةُ تعتَقِدُ فِي الأصنامِ.

227 -الحديثُ الخامسُ: عنْ عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( لمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَاإِلا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ ) ).

قيلَ: إنَّ هذا القدومَ لمْ يكنْ فِي الحجَّةِ، وإنَّما كانَ فِي عمرةِ القضاءِ، فأُخِذَ من هذا: أنه نُسِخَ منهُ عدمُ الرَّمَلِ فيما بينَ الركنيْنِ، فإنهُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَل مِن الحجَرِ إِلَى الحجَرِ وذُكِرَ أنه كانَ فِي الحجِّ فيكونُ متأخِّرًا، فيُقدَّمُ علَى المتقدِّمِ.

وفيه دليلٌ على استحبابِ الرَّمَلِ, والأكثرونَ على استحبابِهِ مطلقًا فِي طوافِ القدومِ فِي زمنِ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعدَهُ ,وإن كانتِ العلَّةُ التي ذكرَهَا ابنُ عباسٍ قد زالتْ. فيكونُ استحبابُه فِي ذلكَ الوقتِ لتلكَ العلَّةِ، وفيمَا بعدَ ذلكَ تأسِّيًا واقتداءً بما فُعِلَ فِي زمنِ الرَّسولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي ذلكَ من الحِكمةِ: تذكُّرُ الوقائعِ الماضيةِ للسَّلفِ الكرامِ، وَفِي طَيِّ تذكُّرِها مصالحُ دينيَّةٌ؛ إذ يَتَبيَّنُ فِي أثناءِ كثيرٍ منهَا ما كُانوا عليهِ مِن امتثالِ أمرِ اللهِ تَعَاَلى، والمبادرةِ إليهِ، وبذلِ الأنفُسِ فِي ذلكَ. وبهذِه النُّكتةِ يظْهرُ لكَ أنَّ كثيرًا مِن الأعمالِ التي وقعتْ فِي الحجِّ، ويقالُ فيهَا: (( إنها تَعبُّدٌ ) )ليستْ كما قيلَ. ألا تَرَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت