322 -الحديثُ الثَّالِثُ: عن أمِّ عطيةَ رضيَ اللهُ عنْها: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ:"لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلْ. وَلاَ تَمَسَّ طِيبًا، إِلاَّ إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ".
"العَصْبُ"ثيابٌ مِنَ اليَمَنِ فيها بَياضٌ وسوادٌ.
فيهِ دليلٌ على مَنْعِ الْمَرْأَةِ المُحِدِّ مِن الكُحْلِ. وَمَذْهَبُ الشَّافعيِّ: أنَّها لا تَكْتَحِلُ إلا ليلًا عِنْدَ الحاجَةِ، بمَا لا طِيبَ فِيهِ. وجوَّزَه بعضُهُمْ عندَ الحاجَةِ، وإنْ كانَ فيهِ طيبٌ. وَجَوَّزَه آخرونَ إذا خَافَتْ على عينِها بكُحْلٍ لا طِيبَ فِيه. والَّذينَ أَجَازُوه حَمَلُوا النَّهْيَ المُطْلَقَ على حالَةِ عدَمِ الحاجَةِ. والْجَوَازَ على حالةِ الحاجةِ.
وفي الحديثِ المنْعُ مِن الثيابِ المُصَبَّغةِ للزِّينةِ، إلا ثوبَ العصْبِ. واستْثنَى بعضُهم مِن المَصْبُوغِ الأسودَ. فرخَّصَ فيهِ. ونُقِلِ عن بعضِهمْ: كراهةُ العصبِ. وعن بعضِهِمْ الْمَنْعُ. والحديثُ حُجَّةٌ عليهِمْ. وقدْ يؤْخَذُ مِن مَفْهُوِمِ الحديثِِ جوازُ ما ليسَ بمصبوغٍ، وهيَ الثيابُ البيضُ. ومنْه مَنَعَ بعضُ المالكيَّةِ المرتفِعَ منْها الَّذي يُتَزَيَّنُ بِهِ، وكذلكَ جيِّدُ السَّوادِ.
"والنُّبْذَةُ"بضمِّ النُّونِ: القِطْعَةُ والشَّيءُ اليسيرُ. و"القُسْطُ"بضمِّ القافِ. و"الأظْفَارُ"نوعانِ مِن البَخورِ. وقدْ رُخِّصَ فيه في الْغُسْلِ منَ الحيضِ في تطْييبِ المَحَلِّ، وإزالةِ كَراهتِه.
323 -الحديثُ الرَّابعُ: عن أمِّ سلمةََ رضيَ اللهُ عنْها قالتْ:"جاءتِ امْرَأَةٌ إلى رسولِِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ. فقالتْ: يا رسولَ اللهِِ، إِنَّ ابْنَتى تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا: أَفَنَكْحُلُهَا؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: لاَ - مَرَّتيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا - ثمَّ قال: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَقَدْ كَانتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِليَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ. فقالتْ زينبُ: كانت المَرْأَةُ إِذا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلتْ حِفْشًا، وَلَبسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلاَ شَيْئًا حتى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، تمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ - فَتَفْتَضَّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَقْتَضُّ بِشَىْءٍ إِلاَّ ماتَ، ثمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثم تُرَاجِعُ بَعْدُ ما شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ".
"الْحِفْشُ": البيتُ الصَّغيرُ الحقِيرُ. و"تَفْتَضُّ"تُدَلِّكُ بهِ جَسَدَها.
يَجوزُ في قولِهَا:"اشْتَكَتْ عَيْنَهَا"وجهانِ. أحدُهمَا: ضمُّ النُّونِ على الفاعليَّةِ، على أنْ تكونَ العينُ هي المشتكَّيةُ. والثَّانِي: فتْحُها. ويكونُ الْمُشْتَكِي من"اشْتَكَتْ"ضميرَ الفاعِلِ. وهي المرأةُ. وقدْ رُجِّحَ هذا. ووقعَ في بعضِ الرِّواياتِ"عَيْنَاهَا".
وقولُها"أَفَنكحُلهُا"بضمِّ الحاءِ. وقولُه عليه السَّلامُ:"لاَ"يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنِ الكُحْلِ للحادَّةِ، وإطلاقُه يقتَضِي أنْ لا فرقَ بينَ حالةِِ الحاجةِ وغيرِها، إلا أنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا حالةَ الحاجَةِ. وقد جاءَ في حديثٍ آخرَ"تَجْعَلُهُ بِالَّلْيلِ، وتَمْسَحُهُ بالنَّهَارِ". فحُمِلَ على حالةِ الحاجَةِ. وقيلَ: في قولِه عليهِ السَّلامُ"لاَ"وجهانِ. أحدُهُمَا: أنَّه نَهْيُ تَنْزيهٍ. والثَّانِي: أنَّه مُؤَوَّلٌ على أنَّه لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفُ على عينِها.
وقولُه عليه السلامُ:"إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ"تَقْليلٌ لِلْمُدَّةِ، وَتَهْوِينٌ للصَّبْرِ على ما مُنِعَتْ مِنْه.