فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 381

358 -الحديثُ الأوَّلُ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللَّهُ عنه"أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كانَ عُمَرُ اسْتشَارَ النَّاسَ، فقالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثمانُونَ، فأَمَرَ بِهِ عُمَرُ".

لا خلافَ في الحدِّ علَى شرْبِ الخمرِ. واختلفُوا في مقدارِهِ. فمذهبُ الشافعيِّ: أنَّهُ أربعونَ. واتَّفقَ أصحابُهُ: أنَّهُ لا يزيدُ علَى الثمانينَ. وفي الزيادةِ علَى الأربعينَ إلَى الثمانينَ خلافٌ. والأظهرُ: الجوازُ. ولو رأَى الإمامُ أنْ يُحِدَّهُ بالنعالِ وأطرافِ الثيابِ، كما فعلَهُ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ جازَ، ومنهم مَن منعَ ذلك، تعليلًا بعُسْرِ الضبْطِ، وظاهرُ قولِهِ:"فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحْوَ أربعينَ"أنَّ هذا العددَ: هو القَدْرُ الذي ضَرَبَ به. وقد وقعَ في روايةِ الزهريِّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أزهرَ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ:"اضْرِبُوهُ"فضربوهُ بالأيدِي والنعالِ، وأطرافِ الثيابِ. وفي الحديثِ"قالَ: فلمَّا كانَ أبو بكرٍ سألَ: مَن حضرَ ذلك الضرْبَ؟ فقوَّمَهُ أربعينَ، فضربَ أبو بكرٍ في الخمرِ أربعينَ"ففسَّرَهُ بعضُ الناسِ، وقالَ: أيْ: قُدِّرَ الضرْبُ الذي ضُرِبَهُ بالأيدِي والنعالِ وأطرافِ الثيابِ فكانَ مقدارَ أربعينَ ضربةً، لا أنَّهَا عددًا أربعونَ بالثيابِ والنعالِ والأيدِي، إنَّمَا قَايَسَ مقدارَ ما ضُرِبَهُ ذلكَ الشَّارِبُ فكانَ مقدارَ أربعينَ عصًا؛ فلذلك قالَ"فقوَّمَهُ"أيْ: جعلَ قيمَتَهُ أربعينَ. وهذا عندي خلافُ الظاهرِ. ويُبعدُهُ قولُهُ:"إنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ جَلَدَ في الخمْرِ أربعينَ"فإنَّه لا ينطلقُ إلا علَى عددٍ كثيرٍ من الضربِ بالأيدِي والنعالِ. وتسليطُ التأويلِ علَى لفظَةِ:"قوَّمَهُ"أنَّهَا بمعنَى:"قدَّرَ ما وقعَ"فكانَ أربعينَ: أقربُ من تسليطِ هذا صدْقُ قولِنَا"جُلِدَ أربعينَ"حقيقةً.

وقولُهُ:"فقالَ عبدُ الرحمنِ: أخفُّ الحدودِ ثمانونَ"ويُروَى بالنصبِ:"أخَفَّ الحدودِ ثمانينَ"أيْ: اجْعَلْهُ، وما يُقاربُ ذلك.

وفيه دليلٌ علَى المشاورةِ في الأحكامِ، والقولِ فيها بالاجتهادِ. وقيلَ: إنَّ الذي أشارَ بالثمانينَ: هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ. وقد يَستدلُّ به مَن يرَى الحُكْمَ بالقياسِ أو الاستحسانِ.

وقولُهُ:"فلمَّا كانَ عمرُ"يجوزُ أنْ يكونَ علَى حذفِ مضافٍ. أيْ: فلمَّا كانَ زمنُ ولايةِ عُمَرَ، وما يُقاربُ ذلك. ومذهبُ مالكٍ: أنَّ حدَّ الخمرِ: ثمانونَ، علَى ما وقعَ في زمنِ عُمَرَ.

359 -الحديثُ الثانِي: عن أبي بُرْدةَ - هانئِ بنِ نِيارٍ - البَلَويِّ رضيَ اللَّهُ عنهُ: أنَّهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ يقولُ:"لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ".

فيه مسألتانِ. إحداهُمَا: إثباتُ التعزيرِ في المعاصِي التي لا حدَّ فيها؛ لِمَا يقتضِيهِ من جوازِ العشرةِ فما دُونَهَا.

المسألةُ الثانيةُ: اختلفُوا في مقدارِ التعزيرِ. والمنقولُ عن مالكٍ: أنَّهُ لا يُتقدَّرُ بهذا القَدْرِ ويُجيزُ في العقوباتِ فوقَ هذا. وفوقَ الحدودِ، علَى قدْرِ الجريمةِ وصاحبِهَا، وأنَّ ذلك موكولٌ إلَى اجتهادِ الإمامِ. وظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ: أنَّهُ لا يُبْلَغُ بالتعزيرِ إلَى الحدودِ. وعلَى هذا: ففي المُعتَبَرِ وجهانِ. أحدُهما: أدنَى الحدودِ في حقِّ المُعزَّرِ. فلا يُزادُ في تعزيرِ الحُرِّ علَى تسْعٍ وثلاثينَ ضربةً؛ ليكونَ دونَ حدِّ الشربِ. ولا في تعزيرِ العبدِ علَى تسعةَ عشَرَ سوطًا. والثانِي: أنَّهُ يُعتبَرُ أدنَى الحدودِ علَى الإطلاقِ؛ فلا يُزادُ في تعزيرِ الحرِّ أيضًا علَى تسْعَةَ عشَرَ سوطًا أيضًا، وفيه وجْهٌ ثالثٌ: أنَّ الاعتبارَ بحدِّ الأحرارِ فيجوزُ أنْ يُزادَ تعزيرُ العبدِ علَى عشرينَ.

وذهبَ غيرُ واحدٍ إلَى ظاهرِ الحديثِ. وهو أنَّهُ لا يُزادُ في التعزيرِ علَى عشرةٍ. وإليه ذهبَ من الشافعيَّةِ صاحبُ التقريبِ، وذكرَ بعضُ المصنِّفينَ منهم: أنَّ الأظهرَ أنَّهُ يجوزُ الزيادةُ علَى العشْرِ.

واختلفَ المخالفونَ لظاهرِ هذا الحديثِ في العُذْرِ عنه. فقالَ بعضُ مصنِّفِي الشافعيَّةِ: إنَّهُ منسوخٌ بعملِ الصحابةِ بخلافِهِ. وهذا ضعيفٌ جدًا؛ لأنَّه يتعذَّرُ عليهِ إثباتُ إجماعِ الصحابةِ علَى العملِ بخلافِهِ. وفِعْلُ بعضِهم أو فتواهُ لا يدلُّ علَى النسْخِ. والمنقولُ في ذلك: فعْلُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهَ:"أنَّهُ ضربَ صَبِيغًا أكثرَ من الحدِّ، أو من مائةٍ"وصَبِيغٌ هذا - بفتْحِ الصادِ المهملةِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت