إيَّاها، واجبًا أَوْ غيرَ واجبٍ، لاَ يُعَارِضُ تحصيلَ الثوابِ إِذَا ابْتَغَى بِذَلِكَ وجهَ اللهِ، كَمَا جَاءَ فِي حديثِ زينبَ الثقفيَّةِ، لمَّا أَرَادَتْ الإِنفاقَ من عندِها، وَقَالَتْ: (( لستُ بِتَارِكَتِهِمْ ) )، وَتَوَهَّمَتْ أن ذَلِكَ مِمَّا يمنعُ الصدقةَ عَلَيْهِمْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ عَنْهَا، وَأُزِيلَ الوهمُ، نَعَمْ فِي مثلِ هَذَا يُحْتَاجُ إِلَى النظرِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُحْتَاجُ إِلَى نيَّةٍ خاصَّةٍ فِي الجزئياتِ، أمْ تَكْفِي نيَّةٌ عامَّةٌ؟ وَقَدْ دلَّ الشرعُ عَلَى الاكتفاءِ بأصلِ النيَّةِ وعمومِها فِي بابِ الجهادِ، حَيْثُ قَالَ: (( لَوْ مَرَّ بنهرٍ وَلاَ يريدُ أن يُسْقَى بِهِ فَشَرِبَتْ كانَ له أجرٌ ) )أوكَمَا قالَ: فَيُمْكِنُ أن يُعدَّى هذا إلى سائرِ الأشياءِ فَيُكْتَفَى بِنِيَّةٍ مُجْمَلَةٍ أَوْ عامَّةٍ، وَلاَ يُحْتَاجُ فِي الجزئياتِ إِلَى ذَلِكَ.
وقولُه، عَلَيْهِ السَّلامُ: (( وَلَعَلَّكَ أن تُخَلَّفَ ... إلخ ) )، تسليةٌ لسعدٍ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ للتخَلُّفِ بسببِ المرضِ الَّذِي وقعَ لَهُ، وَفِيْهِ إشارةٌ إِلَى تَلَمُّحِ هَذَا المعنى، حَيْثُ تقعُ بالإِنسانِ المَكَارِهُ، حَتَّى تَمْنَعَهُ مقاصدَ لَهُ، ويرجُو المصلحةَ فيما يفعلُه اللهُ تَعَالَى.
وقولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( اللهمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) )لعلَّهُ يُرَادُ بِهِ إتمامُ العملِ عَلَى وجهٍ لاَ يَدْخُلُهُ نقضٌ، وَلاَ نقضَ لما ابْتُدِيءَ بِهِ.
وَفِيهِ دليلٌ عَلَى تعظيمِ أَمْرِ الهجرةِ، وأن تَرْكَ إتمامِها مِمَّا يَدْخُلُ تحتَ قولِه: (( وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) ).
298 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثيِرٌ ) ).
قولُ ابنِ عبّاسٍ: قَدْ مَرَّت الإِشارةُ إِلَى سبَبِه، وَقَدْ اسْتَنْبَطَهُ ابنُ عبَّاسٍ مِن لفظِ (( كثيرٍ ) )، وإن كَانَ القولُ الَّذِي أَقَرَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وأشارَ لفظُه إِلَى الأَمْرِ بِهِ - وَهُوَ الثلثُ - يقتضي الوصيةَ بِهِ، ولكن ابنُ عبَّاس قَدْ أَشَارَ إِلَى اعْتِبَارِ هَذَا بقولِه: (( لَوْ أن الناسَّ ) )، فَإِنَّهَا صيغةٌ فِيهَا ضعفٌ مَا بالنسبةِ إلى طلبِ الغضِّ إِلَى مَا دونَ الثلثِ، واللهُ أعلمُ.
299 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَلْحِقُوا الْفَرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ) ). وَفِي روايةٍ: (( اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتْ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ) ).
(( الفرائضُ ) )جمعُ فَرِيضةٍ، وَهِيَ الأنْصِبَاءُ المُقَدَّرَةُ فِي كتابِ اللهِ تَعَالَى؛ النصفُ، ونصفُه، وَهُوَ الربعُ، ونصفُ نصفِه، وَهُوَ الثُّمُنُ، والثُّلُثَانِ، ونصفُهُمَا، وَهُوَ الثلثُ، ونصفُ نصفِهما، وَهُوَ السدسُ، وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى أن قسمةَ الفرائضِ تكونُ بالبَدَاءَةِ بأهلِ الفرضِ، وبعدَ ذَلِكَ مَا بَقِي للعَصَبَةِ.
وقولُه: (( فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ) )أَوْ (( عَصَبَةٍ ذَكَرٍ ) )، قَدْ يُورَدُ ههنا إشكالٌ، وَهُوَ أن (( الأخواتِ ) )عَصَباتُ البناتِ، والحديثُ يقتضي اشْتِرَاطَ الذكورةِ فِي (( العَصَبَةِ ) )المُسْتَحِقِّ للباقي، وجوابُه أَنَّهُ مِن طريقِ المَفْهُومِ، وَأَقْصَى درجاتِه أن يكونَ لَهُ عمومٌ، فَيُخَصُّ بالحديثِ الدالِّ عَلَى ذَلِكَ الحُكْمِ، أعني: أن