صاحبِ الرطبِ، وَفِيهِ وجهٌ ثالثٌ: أَنَّهُ إن اخْتَلَفَ النوعانِ جازَ؛ لأنه قَدْ يزيدُ ذَلِكَ النوعُ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَلَوْ باعَ رُطبًا عَلَى وجهِ الأرضِ برُطبٍ عَلَى وجهِ الأرضِ، لم يَجُزْ وجهًا واحدًا؛ لأن أحدَ المعاني فِي الرخصةِ أن يَأْكُلَ الرطبَ عَلَى التدريجِ طريًّا، وَهَذَا المقصودُ لاَ يحصلُ فيما على وجهِ الأرضِ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بإطلاقِ الحديثِ مَن لاَ يرى اختصاصَ جوازِ بيعِ العرايا لِمَحَاوِيجِ النَّاسِ، وَفِي مذهبِ الشَّافعيِّ وجهٌ، أَنَّهُ يختصُّ بهم، لحديثٍ وَرَدَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ، فِيهِ: (( أَنَّهُ سَمَّى رجالًا مُحْتَاجِينَ مِن الأنصارِ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ نَقْدَ فِي أيديِهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رطبًا ويَأْكُلُونَه مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فضولُ قُوتِهِمْ من التمرِ، فَرَخَّصَ لهم أن يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِن التمرِ ) ).
267 -الحديثُ الثَّانِي: عن أبِي هُريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رَخَّصَ فِي بيعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ ) ).
أَمَّا تَجْوِيزُ بيعِ العرايا، فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا حديثُ أبِي هُريرةَ، فَإِنَّهُ زادَ فِيهِ بيانَ مِقْدَارِ مَا تَجوزُ فِيْهِ الرخصةُ، وَهُوَ مَا دونَ الخمسةِ أَوْسُقٍ، ولم يختلفْ قولُ الشَّافعيِّ فِي أَنَّهُ لاَ يجوزُ فيما زادَ عَلَى خمسةِ أوسقٍ، وَأَنَّهُ يجوزُ فيما دونَها، وَفِي خمسةِ الأوسقِ قولانِ، والقدرُ الجائزُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بالصفقةِ، إن كَانَتْ واحدةً اعْتَبَرْنَا مَا زادَ عَلَى الخمسةِ فَمَنَعْنَا، وَمَا دونَها فَأَجَزْنَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ صَفَقَاتٌ متعدِّدَةٌ، فَلاَ مَنْعَ، وَلَوْ باعَ فِي صَفقةٍ واحدةٍ مِن رجلينِ مَا يكونُ لكلِّ واحدٍ منهما القدرُ الجائزُ جازَ، وَلَوْ باعَ رجلانِ مِن واحدٍ، فكذلكَ الحكمُ فِي أصحِّ الوجهينِ؛ لأن تَعَدُّدَ الصفقةِ بِتَعَدُّدِ البائعِ، أظهرُ مِن تَعَدُّدِهَا بِتَعَدُّدِ المُشْتَرِي.
وَفيه وجهٌ آخرُ: أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الزيادةُ عَلَى خمسةِ أوسقٍ فِي هَذِهِ الصورةِ؛ نظرًا إِلَى مُشْترِي الرطبِ؛ لأنه مَحلُّ الرخصةِ الخارجةِ عن قياسِ الرِّبَويَّاتِ، فَلاَ ينبغي أن يُدْخِلَ فِي ملكِه فوقَ القدرِ المجوَّزِ دَفْعةً واحدةً.
واعلمْ أن الظاهرَ من الحديثِ أن يُحْمَلَ عَلَى صفقةٍ واحدةٍ من غيرِ نظرٍ إِلَى تَعَدُّدِ بائعٍ ومشترٍ، جريًا عَلَى العادةِ والغالبِ.
268 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَن باعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرتْ فَثَمَرُها للبَائِعِ، إِلاَّ أن يَشْترِطَ المُبْتَاعُ ) ). وَلِمُسْلِمٍ: (( وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا، فمالُهُ للِذِي باعَهُ، إِلاَّ أن يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ ) ).
يُقَالُ: أَبَرْتُ النخلةَ آبُرُها، وَقَدْ يقالُ بالتشديدِ، و (( التأبيرُ ) )هُوَ التلقيحُ، وَهُوَ أن يُشَقِّقَ أَكِمَّةَ إناثِ النخلِ، ويَذُرَّ طَلْعَ الذكرِ فِيْهَا، وَلاَ يُلَقَّحُ جميعُ النخيلِ، بل يُؤبَّرُ البعضُ ويشقَّقُ الباقي بانبثاثِ ريحِ الفُحولِ إليه الَّذِي يحصلُ من تَشَقُّقِ الطلْعِ، وَإِذَا باعَ الشجرةَ بعدَ التأبيرِ، فالثمرةُ للبائعِ فِي صورةِ الإِطلاقِ، وقيلَ: إن بعضَهم خالفَ فِي هَذَا، وَقَالَ: تُبْقَى الثمارُ للبائع ِ، أُبِّرَت أَوْ لم تُؤَبَّرْ، وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَاها للبائعِ أَوْ للمشتري، فالشرطُ مُتَّبَعٌ.
وقولُه: (( مَن باعَ نخلًا قَدْ أُبِّرَتْ ) )حقيقتُه اعتبارُ التأبيرِ فِي المبيعِ حقيقةً بنفسِه، وَقَدْ أُجْرِي تأبيرُ البعضِ مَجْرَى تأبيرِ الجميعِ إِذَا كَانَ فِي بستانٍ واحدٍ، واتَّحَدَ النوعُ، وباعَها صفقةً واحدةً، وجُعِلَ ذَلِكَ كالنخلةِ الواحدةِ