النَّاسِ تأوَّلَ قولَه: (( ذَلِكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءُ ) )بتأويلٍ مستكرهٍ، يُخرجُه عمَّا ذكرناهُ مِن الظَّاهِرِ، وَالَّذِي يقتضيهِ الأصلُ أنهمَا إنْ تَساويَا وحصلَ الرجحَانُ بالعباداتِ الماليةِ، أنْ يكونَ الغنيُّ أفضلَ، وَلاَ شكَّ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا النظرُ إِذَا تساويَا فِي أداءِ الواجبِ فَقطْ، وانفردَ كلُّ واحدٍ بمصلحةِ مَا هُوَ فِيْهِ، وَإِذَا كانت المصالحُ متقابلةً، فَفِي ذَلِكَ نظرٌ يرجعُ إِلَى تفسيرِ الأفضلِ، فإنْ فُسِّرَ بزيادةِ الثوابِ، فالقياسُ يقتضِي أنَّ المصالحَ المتعدِّيةَ أفضلُ مِن القاصرةِ، وإنْ كَانَ الأفضلُ بمعنَى الأشرفِ بالنِّسبةِ إِلَى صفاتِ النَّفسِ، فَالَّذِي يحصلُ للنَّفسِ مِنَ التَّطهيرِ للأخلاقِ، والرِّياضةِ لسوءِ الطِّباعِ بسببِ الفقرِ أشرفُ، فيترجَّحُ الفقراءُ، وَلِهَذَا المعنَى ذهبَ الجمهورُ مِن الصُّوفيةِ إِلَى ترجيحِ الفقيرِ الصَّابرِ، لأنَّ مدارَ الطريقِ عَلَى تهذيبِ النَّفسِ ورياضَتِها، وذلكَ مَعَ الفقرِ أكثرُ مِنْهُ مَعَ الغِنَى، فَكَانَ أفضلَ بمعنى الأشرفِ.
وقولُهُ: (( ذهبَ أهلُ الدُّثورِ ) )الدَّثْرُ هُوَ المالُ الكثيرُ.
وقولُهُ: (( تُدركونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ ) )يحتملُ أنْ يُرادَ بِهِ السَّبقُ المعنويُّ، وَهُوَ السَّبقُ فِي الفضيلةِ. وقولُهُ: (( مَنْ بعدَكُمْ ) )أي مَنْ بعدَكُمْ فِي الفضيلةِ مِمَّنْ لاَ يعملُ هَذَا العملَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرَادَ القَبليَّةُ الزَّمانيَّةُ، والبعديَّةُ الزمانيَّةُ، ولعلَّ الأوَّلَ أقربُ إِلَى السياقِ، فإنَّ سؤالَهُم كَانَ عنْ أمرِ الفضيلةِ، وتقدُّمِ الأغنياءِ فيهَا.
وقولُهُ: (( لاَ يكونُ أحدٌ أفضلَ منكُمْ ) )يدلُّ عَلَى ترجيحِ هَذِهِ الأذكارِ عَلَى فضيلةِ المالِ، وَعَلَى أنَّ تلكَ الفضيلةَ للأغنياءِ مشروطةٌ بأنْ لاَ يَفعلُوا هَذَا الفعلَ الَّذِي أُمرَ بِهِ الفقراءُ، وَفِي تلكَ الرِّوايةِ تعليمُ كيفيَّةِ هَذَا الذِّكرِ، وَقَدْ كانَ يُمكنُ أن يكونَ فُرادَى - أيْ كلُّ كلمةٍ عَلَى حدةٍ - وَلَوْ فعلَ ذَلِكَ جازَ، وحصلَ بِهِ المقصودُ، ولكن بَيَّنَ فِي هَذِهِ الروايةِ أنهُ يكونُ مجموعًا، ويكونُ العددُ للجملةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يحصلُ فِي كلِّ فردٍ هَذَا العددُ، واللهُ أعلمُ.
132 -الحديثُ الرَّابعُ: عَنْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: (( اذْهَبُوا بِخَمِيْصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وائْتُوني بأنْبِجَانيةِ أَبِي جَهْمٍ، فإِنَّهَا أَلهتْنِي آنفًا عَنْ صَلاَتي ) ).
(( الخميصةُ ) )كساءٌ مربَّعٌ لَهُ أعلامٌ، و (( الإِنبجانيةُ ) )كساءٌ غليظٌ.
فيه دليلٌ عَلَى جوازِ لباسِ الثَّوبِ ذِي العلَمِ، ودليلٌ عَلَى أنَّ اشتغالَ الفِكرِ يسيرًا غيرُ قادحٍ فِي الصَّلاةِ.
وفيه دليلٌ عَلَى طلبِ الخُشوعِ فِي الصَّلاةِ، والإِقبالِ عليهَا، ونفِي مَا يقتضِي شغلَ الخاطرِ بغيرِهَا.
وفيه دليلٌ عَلَى مبادرةِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مصالحِ الصَّلاةِ، ونفِي مَا يخدشُ فيهَا، حَيْثُ أخرجَ الخميصةَ، واستبدلَ بِهَا غيرَها مِمَّا لاَ يُشغلُ، فَهَذَا مأخوذٌ من قولِه: (( فنظرَ إليهَا نظرَةً ) ).
وبَعْثُهُ إِلَى أبي جَهمٍ بالخميصَةِ، لاَ يلزمُ مِنْهُ أنْ يستعملَها فِي الصَّلاةِ، كَمَا جاءَ فِي (( حُلَّةِ عُطاردَ ) )، وقولهُ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ لعُمرَ: (( إنِّي لم أَكْسُكَهَا لتَلْبَسَهَا ) )، وَقَد استنبطَ الفقهاءُ مِن هَذَا كراهةَ كلِّ مَا يشغلُ عن الصَّلاةِ مِنَ الأصباغِ والنُّقوشِ، والصنائعِ المستطرفةِ، فإنَّ الحكمَ يعمُّ بعمومِ علَّتهِ، والعلَّةُ الاشتغالُ عنِ الصَّلاةِ، وزادَ بعضُ المالكيَّةِ فِي هَذَا كراهةَ غرسِ