فِي دَلَائِلِ المَفْهُومِ، وَمَا يُعْمَلُ بِهِ مِنْهُ، وَمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَبَعْدَ أَنْ تَنْظُرَ فِي تَقْدِيمِ المَفْهُومِ عَلَى ظَاهِرِ العُمُومِ - أَعْنِي رِوَايَةَ الإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ - فَإِنْ كَانَا حَدِيثًا وَاحِدًا مَخْرَجُهُ وَاحِدٌ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الرُّوَاةُ، فَيَنْبَغِي حَمْلُ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، لأَنَّهَا تَكُونُ زِيَادَةً مِن عَدْلٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فَتُقْبَلُ، وَهَذَا الحَدِيثُ المَذْكُورُ رَاجِعٌ إِلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ قَتَادَةَ، عَن أَبِيهِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الظَّاهِرِيُّ، وَجُمْهُورُ الفُقَهَاءِ عَلَى الكَرَاهَةِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلا يَتَمَسَّحْ مِن الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ ) )، يَتَنَاولُ القُبُلَ وَالدُّبُرَ، وَقَد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَسُّحِ فِي القُبُلِ، إِذَا كَان الحَجَرُ صَغِيرًا، وَلَابُدَّ مِن إِمْسَاكِهِ بِإِحْدَى اليَدَيْنِ، فَمَنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُمْسِكُ الحَجَرَ بِاليُمْنَى وَالذَّكَرَ بِاليُسْرَى، فَتَكُونُ الحَرَكَةُ لِليُسْرَى، واليُمْنَةُ قَارَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: يُؤخَذُ الذَّكَرُ بِاليُمْنَى وَالحَجَرُ بِاليُسْرَى وَتُحَرَّكُ اليُسْرَى، والأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الحَدِيثِ.
الرَّابِعُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَا يَتَنَفْسْ فِي الإِنَاءِ ) )، يُرَادُ بِهِ إِنَابَةُ الإِنَاءِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّنَفُّسِ، لِمَا فِي التَّنَفُّسِ مِن احْتِمَالِ خُرُوجِ شَيءٍ مُسْتقذَرٍ لِلغَيْرِ، وَفِيهِ إِفْسَادٌ لِمَا فِي الإِنَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الغَيْرِ، لِعيافَتِهِ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِنَابَةُ الإِنَاءِ للتَّنَفُّسِ ثَلَاثًا، وَهُوَ هَهُنَا مُطْلَقٌ.
16 -الحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَينِ، فَقَالَ: (( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يسْتَتِرُ مِن البَوْلِ، وأَمَّا الآَخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) )، فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّها نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: (( لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ) ).
(( عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ ) )بنِ عَبْدِ المُطَّلَبِ بنِ هَاشمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو العَبَّاسِ القُرَشِيُّ الهَاشِمِيُّ المَكِّيُّ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فِي العِلْمِ، سُمِّى بِالحَبْرِ وَالبَحْرِ، لِسَعَةِ عِلْمِهِ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَيُقَالُ: كَانَ سِنُّهُ حِينَئذٍ اثْنَتَينِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي: سَنَهََ إِحْدى - أَو اثْنَتَينِ - وَسَبْعِينَ سَنَةً، أَعْنِي فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ، وَكَانَ مَوتُهُ بِالطَّائِفِ.
ثُمَّ الكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: تَصْرِيحُهُ بِإثْبَاتِ عَذَابِ القَبْرِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاشْتَهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ، وَفِي إِضَافَةِ عَذَابِ القَبْرِ إِلَى البَولِ خُوصِيَّةٌ تَخصُّهُ دُونَ سَائِرِ المَعَاصِي، مَعَ أَنَّ العَذَابَ بِسَبَبِ غَيْرِهِ أَيضًا، إِنْ أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ بَعْضِ عِبَادِهِ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ الحَدِيثُ: (( تَنَزَّهُوا مِن البَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ ) )، وَكَذَا جَاءَ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ مَن ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّهُ القَبْرُ، أَو ضَغَطَهُ فَسُئِلَ أَهْلُهُ؟ فَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الطُهُورِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: (( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) )، يَحْتَمِلُ - مِن حَيْثُ اللَّفْظُ - وَجْهَيْنِ. وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ إِزَالَتُهُ أَوْ دَفْعُهُ أَو الاحْتِرَازُ عَنْهُ، أَيْ إِنَّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَن يُرِيدُ التَّوَقِيَ مِنْهُ، وَلا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ صَغِيرٌ مِن الذُّنُوبِ، غَيْرُ