واللهُ أعلمُ - فَقَدْ أصابَ مشروعيَةَ النُّسكِ، أَوْ مَا قاربَ ذَلِكَ.
وقولهُ: (( مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلاَ نُسُك لَهُ ) )يقتضِي أنَّ مَا ذُبحَ قبلَ الصَّلاةِ لاَ يقعُ مجزيًا عنِ الأُضحيَةِ، وَلاَ شكَّ أنَّ الظَّاهرَ من اللفظِ أنَّ المرادَ قبلَ فعلِ الصَّلاةِ فإنَّ إطلاقَ لفظِ (( الصَّلاةِ ) )وإرادةَ وقتِها، خلافُ الظَّاهرِ، ومذهبُ الشَّافعيِّ اعتبارُ وقتِ الصَّلاةِ ووقتِ الخُطبتينِ، فَإِذَا مضَى ذَلِكَ دخلَ وقتُ الأُضحيةِ، ومذهبُ غيرِه اعتبارُ فعلِ الصَّلاةِ والخُطبتينِ، وَقَدْ ذكرنَا أنَّهُ الظاهرُ. [ولعلَّ منشأَ النَّظرِ فِي هَذَا أنَّ الألفَ واللامَ هلْ يرادُ بِهَا تعريفُ الحقيقةِ؟ فَإِذَا أريدَ بِهَا تعريفُ الحقيقةِ جازَ مَا قالهُ غيرُ الشَّافعيِّ، وَإِذَا أريدُ بِهَا تعريفُ العهدِ، انصرفَ إِلَى صلاةِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ يُمكنُ اعتبارُ حقيقةِ ذَلِكَ الفعلِ فِي حقِّ مَنْ ذبحَ بعدَ تلكَ الصَّلاةِ فِي غيرِ ذَلِكَ الوقتِ، فتعيَّنَ اعتبارُ مقدارِ وقتِهَا] . والحديثُ نصٌّ عَلَى اعتبارِ الصَّلاةِ، ولم يتعرَّضْ لاعتبارِ الخُطبتينِ، لكنهُ لمَّا كانت الخطبتانِ مقصودتينِ فِي هَذِهِ العبادةِ اعتبرهُمَا الشَّافعيُّ.
وَفِي قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( شَاتُكَ شَاةُ لحمٍ ) )دلالةٌ عَلَى إبطالِ كونِها نُسكًا، وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ المأموراتِ إِذَا وقعتْ عَلَى خلافِ مقتضَى الأمرِ لم يُعذرْ فيهَا بالجهلِ، وَقَدْ فرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ المأموراتِ والمنهياتِ، فعذرُوا فِي المنهياتِ بالنِّسيانِ والجهلِ، كَمَا جاءَ فِي حديثِ معاويةَ بنِ الحكمِ حِيْنَ تكلَّمَ فِي الصَّلاةِ، وفُرِّقَ بينهمَا بأنَّ المقصودَ مِن المأموراتِ إقامةُ مصالحِهَا، وذلك لاَ يحصلُ إلاَّ بفعلِهَا، والمنهياتُ مزجورٌ عنهَا بسببِ مفاسدِها امتحانًا للمكلَّفِ بالانكفافِ عنها، وذلك إِنَّمَا يكونُ بالتعمُّدِ لارتكابِهَا، وَمَعَ النِّسيانِ والجهلِ لمْ يَقصدِ المكلَّفُ ارتكابَ المنهيِّ، فعُذرَ بالجهلِ فيهِ.
وقولُهُ: (( وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ) )الَّذِي اختيرَ فيه فتحُ التَّاءِ، بمعنَى تَقْضِي، يُقالُ: جَزَى عنِّي كذَا، أي قَضَى، وذلكَ أنَّ الَّذِي فعلَهُ لمْ يقعْ نُسكًا، فَالَّذِي يأتِي بعدهُ لاَ يكونُ قضاءً عَنْهُ.
وَقَدْ صرَّحَ فِي الحديثِ بتخصيصِ أبي بُردةَ بإجزائِهَا فِي هَذَا الحُكمِ عمَّا سبقَ ذبْحُه، فامتنَعَ قياسُ غيرِه عَلَيْهِ.
145 -الحديثُ الثَّالثُ: عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَليِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: صلَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: (( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ ) ).
(( جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللهِ ) )بنِ سفيانَ بَجَليٌّ، من بَجِيلَةَ، عَلَقِيٌّ، وَهُوَ حيٌّ من بجيلةَ، يقالُ فيه: جندبُ بنُ سفيانَ، متفَّقٌ عَلَى إخراجِ حديثهِ، يقالُ: ماتَ سنةَ أربعٍ وستِّينَ.
والحديثُ الَّذِي رواهُ فِي معنَى الحديثِ الَّذِي قبلَهُ، وَهُوَ أدخلُ فِي الظُّهورِ فِي اعتبارِ فعلِ الصَّلاةِ من الأوَّلِ، من حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ اقتضَى تعليقَ الحُكمِ بلفظِ (( الصَّلاةِ ) ) [وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يُحتملُ أنْ تكونَ الألفُ واللامُ للعهدِ، فينصرفُ إِلَى صلاةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيتعيَّنُ وقتُها، وَهَذَا المعنَى معدومٌ فِي هَذَا الحديثِ، وَهَذَا لمْ يُعلَّقْ فيه الحُكمُ بلفظٍ فيه الألفُ واللامُ، حتى يتأتَّى فيه ذَلِكَ البحثُ] ، إلاَّ أنهُ إنْ جرينَا عَلَى ظاهرِه اقتضَى أنه لاَ تَجزى الأضحيةُ فِي حقِّ مَن لمْ يُصلِّ صلاةَ العيدِ أصلًا، فإنْ ذهبَ إِلَيْهِ أحدٌ فَهُوَ أسعدُ النَّاسِ بظاهرِ هَذَا الحديثِ، وَإلاَّ فالواجبُ الخروجُ عنِ الظَّاهرِ فِي هَذِهِ الصُّورةِ، ويبقَى مَا عداهَا بعدَ الخُروجِ عنِ الظَّاهرِ فِي محلِّ البحثِ.