فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 381

الفواتِ، إمَّا بناءً عَلَى ظاهرِ الحالِ، أَوْ بوحيٍ خاصٍّ.

الوجهُ السَّابعُ: قولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ثُمَّ ارفعْ حَتَّى تعتدِلَ قائمًا ) )يدلُّ عَلَى وجوبِ الرَّفعِ، خلافًا لمنْ نفاهُ، ويدلُّ عَلَى وجوبِ الاعتدالِ فِي الرَّفعِ، وَهُوَ مذهبُ الشَّافعيِّ فِي الموضعينِ، وللمالكيَّةِ خلافٌ فيهمَا، وَقَدْ قِيلَ فِي توجيهِ عدمِ وجوبِ الاعتدالِ: إنَّ المقصودَ مِن الرَّفعِ الفصلُ، وَهُوَ يحصلُ بدونِ الاعتدالِ، وَهَذَا ضعيفٌ، لأنَّا نُسلِّمُ أنَّ الفصْلَ مقصودٌ، وَلاَ نُسلِّمُ أنهُ كلُّ المقصودِ، وصيغةُ الأمرِ دلَّتْ عَلَى أنَّ الاعتدالَ مقصودٌ مَعَ الفصلِ، فَلاَ يجوزُ تركُها.

وقريبٌ مِن هَذَا فِي الضَّعْفِ استدلالُ بعضِ مَن قَالَ بعدمِ وجوبِ الطمأنينةِ بقولِه تَعَالَى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: 77] ، فلمْ يأمرنَا بِمَا زادَ عَلَى مَا يُسمَّى ركوعًا وسُجودًا، وَهَذَا واهٍ جدًّا، فإنَّ الأمرَ بالرُّكوعِ والسجودِ يَخرجُ عَنْهُ المكلَّفُ بمسمَّى الركوعِ والسُّجودِ كَمَا ذُكرَ، وَلَيْسَ الكلامُ فِيْهِ، وَإِنَّمَا الكلامُ فِي خروجهِ عن عهدةِ الأمرِ الآخرِ، وَهُوَ الأمرُ بالطمأنينةِ، فإنه يجبُ امتثالُهُ، كَمَا يجبُ امتثالُ الأوَّلِ.

الوجهُ الثَّامنُ: قولهُ: (( ثُمَّ اسجدْ حَتَّى تطمئنَّ ساجدًا ) )والكلامُ فِيْهِ كالكلامِ فِي الرُّكوعِ. وَكَذَلِكَ قولهُ: (( ثُمَّ ارفعْ حَتَّى تطمئنَّ جالسًا ) )فيمَا يُستنبطُ مِنْهُ.

الوجهُ التَّاسعُ: قولهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ثُمَّ افعلْ ذَلِكَ فِي صلاتِكَ كلِّها ) )يقتضي وجوبَ القراءةِ فِي جميعِ الرَّكعاتِ، وَإِذَا ثبتَ أنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الأعرابيُّ هُوَ قراءةُ الفاتحةِ، دلَّ عَلَى وجوبِ قراءتِهَا فِي جميعِ الرَّكعاتِ، وَهُوَ مذهبُ الشَّافعيِّ، وَفِي مذهبِ مالكٍ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُهُا: الوجوبُ فِي كلِّ ركعةٍ. والثَّاني: الوجوبُ فِي الأكثرِ. والثَّالثُ: الوجوبُ فِي ركعةٍ واحدةٍ.

99 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) ).

(( عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ) )بنِ قيسِ بنِ أصرمَ أنصاريٌّ، سالميٌّ عَقَبِيٌّ بدريٌّ، يكنَى أبا الوليدِ، تُوفِّيَ بالشَّامِ، وقَبرُه معروفٌ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، يقالُ: تُوُفِّيَ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ بالرَّملةِ، وقيل: ببيتِ المقدسِ.

والحديثُ دليلٌ عَلَى وجوبِ قراءةِ الفاتحةِ فِي الصَّلاةِ، ووجهُ الاستدلالِ مِنْهُ ظاهرٌ، إلاَّ أنَّ بعضَ علماءِ الأصولِ اعتقدَ فِي مثلِ هَذَا اللفظِ الإِجمالَ، من حَيْثُ إنَّهُ يدلُّ عَلَى نفْيِ الحقيقةِ، وهيَ غيرُ منتفيةٍ، فيحتاجُ إِلَى إضمارٍ، وَلاَ سبيلَ إِلَى إضمارِ كلِّ مُحتمَلٍ لوجهينِ: أحدُهما: أنَّ الإِضمارَ إِنَّمَا احتيجَ إِلَيْهِ للضَّرورةِ، والضرورةُ تندفعُ بإضمارِ فردٍ، وَلاَ حاجةَ لإِضمارِ أكثرَ مِنْهُ. وثانيهمَا: أنَّ إضمارَ الكلِّ قَدْ يتناقضُ، فإنَّ إضمارَ الكمالِ يقتضِي إثباتَ أصلِ الصِّحةِ، ونفيُ الصِّحةِ يعارضُه، وَإِذَا تعيَّنَ إضمارُ فردٍ، فَلَيْسَ البعضُ أولَى منَ البعضِ، فتعيَّنَ الإِجمالُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت