اختلفَ النَّاسُ: هل تُعَمُّ الأركانُ كلُّهَا بالاستلامِ، أم لا؟ والمشهورُ بينَ عُلماءِ الأمصارِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ. وهو اختصاصُ الاستلامِ بالرُّكنينِ اليَمانيَّينِ وعلَّتُهُ. أنَّهما على قواعدِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ. وأمَّا الرُّكنانِ الآخرانِ فاستَقْصرَا عن قواعدِ إبراهيمَ. كذَا ظنَّ ابنُ عمر. وهو تعليلٌ مناسبٌ. وعن بعض الصَّحابةِ أنه كانَ يَسْتَلِمُ الأركانَ كلَّها، ويقولُ: (( ليسَ شيءٌ من البيتِ مهجورًا ) )واتِّباعُ ما دلَّ عليهِ الحديثُ أولَى. فإنَّ الغالبَ على العباداتِ الاتِّباعُ، لا سيَّما إذا وقعَ التَّخْصيصُ مع توهُّمِ الاشتراكِ في العلَّة ِ ,وهنا أمرٌ زائدٌ، وهو إظهارُ معنىً للتخصيصِ غيرِ موجودٍ فيما تُرِكَ فيهِ الاستلامُ.
231 -الحديثُ الأوَّلُ: عن أبِي جَمْرةَ - نصرِ بنِ عِمْرَانَ الضُّبَعيِّ - قَالَ: (( سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ؟ فأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيْهِ جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُه، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أبِي القَاسِمِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ).
(( أَبُو جمرةَ ) )بالجيمِ والرَّاءِ المهملةِ، (( نصرٌ ) )بالصَّادِ المهملةِ، الضُّبَعيُّ بضمِّ الضَّادِ المعجمةِ وفتحِ الباءِ ثانِي الحروفِ، وبالعينِ المهملةِ، متَّفقٌ عَلَيْهِ.
وقولُهُ: (( سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ ) ). الظَّاهرُ أَنَّهُ يُريدُ بِهَا الإِحرامَ بالعمرةِ فِي أشهرِ الحجِّ، ثُمَّ الحجَّ مِن عامِهِ.
وقولُهُ: (( أَمَرَنِي بِهَا ) )يدُلُّ عَلَى جوازِهَا عندَهُ مِن غيرِ كراهةٍ، وسيأتِي فِي الحديثِ قولُهُ: (( وَكَانَ ناسٌ كَرِهُوهَا ) )وَذَلِكَ منقولٌ عنْ عُمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَعَنْ غيرِهِ، عَلَى أنَّ النَّاسَ اختلفُوا فيمَا كرِهَهُ عمرُ مِن ذَلِكَ، هَلْ هِيَ المُتعةُ التي ذكرْناهَا، أَوْ فسخُ الحجِّ إِلَى العُمرةِ؟ والأقربُ أَنَّهَا هَذِهِ، فقيلَ: إنَّ هَذِهِ الكراهَةَ والنَّهيَ مِن بابِ الحملِ عَلَى الأَوْلَى، والمشورةُ بِهِ عَلَى وجهِ المبالغةِ.
وقولُهُ: (( رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي ) )إلخ، فِيْهِ استئناسٌ بالرُّؤيَا فيمَا يقومُ عَلَيْهِ الدَّليلُ الشَّرعيُّ؛ لِمَا دلَّ الشَّرعُ عَلَيْهِ من عِظَمِ قدرِهَا، وَأَنَّهَا جِزءٌ مِن ستةٍ وأربعينَ جزءًا من النُّبوَّةِ، وَهَذَا الاستئْناسُ والتَّرجيحُ لاَ ينافِي الأصولَ.
وقولُ ابنِ عبَّاسٍ: (( اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أبِي القَاسِمِ ) ). يدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تأيَّدَ بالرُّؤيَا , واستبشرَ بِهَا، وَذَلِكَ دليلٌ عَلَى مَا قلناهُ.
232 -الحديثُ الثَّانِي: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( تَمتَّعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بِالْعُمْرةِ إِلَى الحَجِّ وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ للنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يكُنْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ , وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَطَافَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ حِيْنَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُم مِنْهُ حَتَّى