فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 381

قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ )) .

قولُه: (( تمتَّعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )قيل: هُوَ محمولٌ عَلَى التَّمتُّعِ اللُّغوِيِّ، وَهُوَ الانْتفاعُ، ولمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قارنًا عندَ قومٍ، والقِرَانُ فِيْهِ تمتُّعٌ وزيادةٌ إذ فِيْهِ إسقاطُ أحدِ العمليْنِ، وأحدِ الميقاتيْنِ سُمِّيَ تَمتُّعًا عَلَى هَذَا، باعتبارِ الوضعِ اللُّغوِيِّ، وَقَدْ يُحْمَلُ قولُهُ: (( تَمَتَّعَ ) )عَلَى الأمرِ بِذَلِكَ، كَمَا قيلَ بمثلِ هَذَا فِي حجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا اختلفتِ الأحاديثُ، وأُرِيدَ الجمعُ بينَهَا، ويدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأويلِ الْمُحْتَمَلِ مَا ذكرْناهُ، وأنَّ ابنَ عمرَ - راوِيَ هَذَا الحديثِ - هُوَ الَّذِي روَى: (( أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفردَ ) ).

وقولُه: (( وساقَ الهدْيَ ) )فِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ سوْقِ الهدْيِ من الأماكنِ البعيدةِ. وقولُه: (( فَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ بالحَجِّ ) )نَصٌّ فِي الإِهلالِ ٍبهما.

ولمَّا ذهبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قارَنَ - بمعنى أَنَّهُ أحْرَم بهما معًا - احْتاج إِلَى تأويلِ قولِه: (( أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ بِالحَجِّ ) ). فَإِنَّهُ عَلَى خلافِ اختيارِهِ، فَيُجْعلُ الإِهْلالُ فِي قولِه: (( أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ بِالحَجِّ ) ). عَلَى رفعِ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، ويكونُ قَدْ قدَّمَ فِيْهَا لَفْظَ الإِحرَامِ بِالْعُمْرَةِ، عَلَى لفظِهِ بِالحَجِّ؛ وَلاَ يُرَادُ بِهِ تَقْديمُ الإِحرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَلَى الإِحْرامِ بالحَجِّ، لأَنَّهُ خلافُ مَا رواهُ، واعلمْ أَنَّهُ لاَ نحتاجُ الجمعَ بَيْنَ الأحاديثِ إِلَى ارتكابِ كونِ (( الْقِرَانِ ) )بمعنَى تقديمِ الإِحرامِ بالحجِّ، عَلَى الإِحرامِ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ يُمكِنُ الجمعُ، وإن كَانَ قَدْ وقعَ الإِحرامُ بِالْعُمْرَةِ أَوْ لاَ، فَالتَّأويلُ الَّذِي ذَكرهُ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، غيرُ مُحتاجٍ إليه فِي طريقِ الجمعِ.

وقولُهُ: (( فَتَمَتَّعَ النَّاسُ إِلَى آخِرِهِ ) )حُمِلَ عَلَى التَّمتُّعِ اللُّغوِيِّ، فإنَّهمِ لَمْ يكونُوا مُتَمَتِّعِينَ بمعنَى التَّمتُّعِ المشهورِ، فإنَّهمْ لمْ يُحرِمُوا بِالْعُمْرَةِ ابتداءً، وإنَّمَا تَمتَّعُوا بفسخِ الحجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الأحاديثِ، فَقَدْ استُعمِلَ (( التَّمتُّعُ ) )فِي معناه اللُّغَويِّ، أَوْ يكونونَ تَمتَّعُوا بفسخِ الحجِّ إِلَى العُمرَةِ، كَمنْ أَحرمَ بِالْعُمْرَةِ ابْتدَاءً، نَظرًا إِلَى المَالِ، ثُمَّ إنَّهمْ أَحرَمُوا بالحجِّ بَعدَ ذَلِكَ، فكانُوا مُتمتِّعينَ.

وقولُهُ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ أَهْدَى - إِلَى آخرِه ) )مُوَافِقٌ لِقولِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .

وقولُهُ: (( فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ) )دَليلٌ عَلَى طلَبِ هَذَا الطَّوافِ فِي الابتداءِ.

وقولُهُ: (( فَلْيُقَصِّرْ ) )أيْ: مِن شَعَرهِ، وَهُوَ التَّقصيرُ فِي العُمرَةِ عِندَ التَّحلُّلِ مِنْهَا. قِيلَ: وإنَّمَا لَمْ يَأمُرْهُ بالحَلقِ حَتَّى يَبْقَى عَلَى الرَّأسِ مَا يَحْلِقُهُ فِي الحجِّ، فَإِنَّ الحِلاقَ فِي الحجِّ أفضلُ منَ الحِلاقِ فِي الْعُمْرَةِ، كَمَا ذكرَ بَعضُهمْ، واستُدِلَّ بِالأمرِ فِي قَولِهِ: (( فَلْيَحْلِقْ ) )عَلَى أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ، وَقِيلَ: فِي قولِهِ: (( فَلْيَحْلِلْ ) ): إِنَّ المُرادَ بِهِ يَصِيرُ حَلاَلًا، إذْ لاَ يَحتاجُ بَعدَ فعلِ أفعالِ الْعُمْرَةِ، والحِلاقِ فِيْهَا إِلَى تجديدِ فعلٍ آخرَ، ويَحْتَمِلُ عِنديِ أن يكونَ المرادُ بالأمرِ بالإِحلالِ هُوَ فِعْلَ مَا كَانَ حرامًا عَلَيْهِ فِي حالِ الإِحرامِ من جهةِ الإِحرامِ، ويكونُ الأمرُ لِلإِباحةِ.

وقولُهُ: (( فَمَنْ لَّمْ يَجِدِ الْهَدْيَ ) )يَقتضِي تَعَلُّقَ الرُّجوعِ إِلَى الصَّومِ عنِ الهديِ بعدمِ وِجدانِهِ حينئذٍ، وإنْ كَانَ قادرًا عَلَيْهِ فِي بلدِهِ؛ لأنَّ صيامَهُ ثلاثةَ أيامٍ فِي الحجِّ إِذَا عَدِمَ الهديَ يَقتضِي الاكتفاءَ بِهَذَا البدلِ فِي الحالِ، لقولِهِ: (( ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) )وأَيَّامُ الحَجِّ مَحصورةٌ، فَلاَ يمكنُ أنْ يَصومَ فِي الحجِّ إِلاَّ إِذَا كَانَ قادرًا عَلَى الصومِ فِي الحالِ، عاجزًا عنِ الهَديِ فِي الحالِ، وَذَلِكَ مَا أَرَدْنَاهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت