فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 381

وَفِي لَفظٍ: (( فَإِنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ) ).

هَذَا (( الحملُ ) )تمليكٌ لمن أُعْطِىَ الفرسَ، ويكونُ معنى كونِه (( فِي سبيلِ اللهِ ) )أن الرجلَ كَانَ غازيًا، فآلَ الأمرُ بتمليكِه إِلَى أَنَّهُ فِي سبيلِ اللهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ باعتبارِ المقصودِ، فإن المقصودَ بتمليكِه أن يستعملَه فيما عادتُه أن يستعملَه فِيهِ، وإنما اخْتَرْنَا ذَلِكَ؛ لأن الَّذِي حملَ عَلَيْهِ أرادَ بيعَه، ولم يُنْكَرْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الحملُ عَلَيْهِ حملَ تحبيسٍ لم يُبَعْ، إِلاَّ أن يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ انْتَهى إِلَى حالةٍ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ فيما حُبِسَ عَلَيْهِ، لكن ذَلِكَ لَيْسَ فِي اللفظِ مَا يُشْعِرُ بِهِ، وَلَوْ ثبتَ أَنَّهُ حَمْلُ تحبيسٍ لكانَ فِي ذَلِكَ مُتَعَلَّقٌ لمسألةِ وقفِ الحيوانِ

وَمِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُ حملُ تمليكٍ قولُه عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ: (( وَلاَ تَعُدْ فِي صدقَتِكَ ) )، وقولُه: (( فإنَّ العائدَ فِي هِبَتِهِ كالكلبِ يعودُ فِي قَيْئِهِ ) ).

وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى مَنْعِ شراءِ الصدقةِ للمُتَصَدِّقِ، أَوْ كراهتِه، وعُلِّلَ ذَلِكَ بأن المُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ربَّما سَامَحَ المُتَصَدِّقَ فِي الثمنِ، بسببِ تقدُّمِ إحسانِه إليه بالصدقةِ عَلَيْهِ، فيكونُ راجعًا فِي ذَلِكَ المقدارِ الَّذِي سُومِحَ بِهِ.

وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى المنعِ مِن الرجوعِ فِي الصدقةِ والهبةِ، لتشبيهِه برجوعِ الكلبِ فِي قَيْئِهِ، وَذَلِكَ يدلُّ عَلَى غايةِ التنفيرِ، والحنفيةُ اعْتَذَرُوا عن هَذَا بأن رجوعَ الكلبِ فِي قَيْئِه لاَ يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فالتشبيهُ وقعَ بأمرٍ مكروهٍ فِي الطبيعةِ، لتثبُتَ بِهِ الكراهةُ فِي الشريعةِ.

وَقَدْ وقعَ التشديدُ فِي التشبيهِ من وجهينِ: أحدُهما: تشبيهُ الراجعِ بالكلبِ. وَالثَّانِي: تشبيهُ المَرْجُوعِ فِيْهِ بالقَيءِ. وأجازَ أَبُوحنفيةَ رجوعَ الأجنبيِّ فِي الهبةِ، وَمَنَعَ رجوعَ الوالدِ فِي الهبةِ لوَلدِهِ، عكسُ مذهبِ الشَّافعيِّ، والحديثُ يدلُّ عَلَى مَنْعِ رجوعِ الواهبِ مطلقًا، وإنما يخرجُ الوالدُ فِي الهبةِ لولدِه بدليلٍ خاصٍّ.

287 -الحديثُ السابعُ: عن النعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ ) ).

وَفِي لَفظٍ: (( فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا؛ فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ) ).

وَفِي لَفظٍ: (( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) ).

الحديثُ يدلُّ عَلَى طلبِ التسويةِ بَيْنَ الأولادِ فِي الهباتِ، والحكمةُ فِيهِ أن التفضيلَ يؤدِّي إِلَى الإِيحاشِ والتباغُضِ، وعدمِ البرِّ مِن الولدِ لوالدِهِ، أعني: الولدَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ التسويةِ، هَلْ تَجْرِي مَجْرَى الميراثِ فِي تفضيلِ الذكرِ عَلَى الأنثى أم لاَ؟ فظاهرُ الحديثِ يقتضي التسويةَ مطلقًا، واخْتَلَفَ الفقهاءُ فِي التفضيلِ، هَلْ هُوَ مُحرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ فذهبَ بعضُهم إِلَى أَنَّهُ مُحرَّمٌ، لتسميتِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياهُ: (( جَورًا ) )، وأَمْرِه بالرجوعِ فِيْهِ، ولاسيَّما إِذَا أَخَذْنَا بظاهرِ الحديثِ أَنَّهُ كَانَ صدقةً، فإن الصدقةَ عَلَى الولدِ لاَ يَجوزُ الرجوعُ فِيْهَا، فإن الرجوعَ ههنا يقتضِي أَنَّهَا وقعتْ عَلَى غيرِ المَوْقِعِ الشرعيِّ، حَتَّى نُقِضَتْ بعدَ لزومِها، ومذهبُ الشَّافعيِّ وَمَالكٍ أن هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت