فِي حُكْمِ المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الغُسْلِ، فَأَوْجَبَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَنَفَىَ الوُجُوبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الحَدِيثِ عَلَى الوُجُوبِ، إِلَّا أنْ يُقَالَ: إِنَّ مُطْلَقَ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلوُجُوبِ، غَيْرَ أَنَّ المُخْتَارَ أَنَّ الفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ، إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الوُجُوبُ، وَالأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ مِن الجَنَابَةِ لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُجْمَلَاتِ.
السَّادِسُ: قَولُهَا: (( ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ ) )، ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا يَفْعَلُ فِي الوُضُوءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى القَوْلِ بِتَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَينِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ هَذَا: هَل يَمْسَحُ الرَّأسَ أَمْ لَا؟
السَّابِعُ: قَوْلُهَا: (( ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ) )يَقْتَضِي تَأْخِيرَ غُسْلِ الرِّجْلَينِ عَن إِكْمَالِ الوُضُوءِ، وَقَد اخْتَارَهُ بَعْضُ العُلَمَاءِ، وَهُو أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُهُم اخْتَارَ إِكْمَالَ الوُضُوءِ، عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ المَوْضِعُ وَسِخًا أوْ لَا، فَإِنْ كَانَ وَسِخًا أُخِّرَ غَسْلُ الرِّجْلَينِ، لِيَكُونَ غَسْلُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَقَعُ إِسْرَافٌ فِي المَاءِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيفًا، قُدِّمَ، وَهُوَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لَهْ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ.
الثَّامِنُ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ غَسْلَ الأَعْضَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الغُسْلِ وُضُوءٌ حَقِيقَةً، فَقَد يُؤخَذُ مِن هَذَا جَوَازُ التَّفْرِيقِ اليَسِيرِ فِي الطَّهَارَةِ.
التَّاسِعُ: أُخِذَ مِن رَدِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخِرْقَةََ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَنْشِيفُ الأَعْضَاءِ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكْرَهُ؟ وَالَّذِينَ أَجَازُوا التَّنْشِيفَ اسْتَدَلُّوا بِكَونِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَنفُضُ المَاءَ، فَلَو كَرِِهَ التَّنْشِيفَ لَكَرِِهَ النَّفْضَ، فَإِنَّهُ إِزَالَةٌ، وَأَمَّا رَدُّ المِنْدِيلِ، فَوَاقِعَةُ حَالٍ، يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الاحْتِمَالُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا لِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالخِرْقَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
العَاشِرُ: ذَكَرَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ الوُضُوءِ أَنْ لَا يَنفُضَ أَعْضَاءَهُ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَفْضِ المَاءِ عَن الأَعْضَاءِ فِي الغُسْلِ، وَالوُضُوءُ مِثْلُهُ، وَمَا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ النَّفْضِ - وَهُوَ مَا وَرَدَ: (( لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ ) )- حَدِيثٌ ضَعِيْفٌ، لَا يُقَاوِمُ هَذَا الصَّحِيحَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
32 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ ) ).
وُضُوءُ الجُنُبِ قَبْلَ النَّوْمِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: الوُجُوبُ، وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الأَمْرِ فِي بَعْضِ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ ) )، لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ إِنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِن اللَّيْلِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ - الَّذِي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ - مُتَمَسَّكٌ لِلوُجُوبِ، فَإِنَّهُ وَقَفَ إبَاحَةَ الرُّقَادِ عَلَى الوُضُوءِ، فَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (( فَلْيَرْقُدْ ) )لَيْسَ لِلوُجُوبِ وَلا لِلاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ النَّومَ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَومٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا اسْتِحْبَابٌ، فَإِذَنْ هُوَ لِلإِبَاحَةِ، فَتَتَوَقَّفُ الإِبَاحَةُ هَهُنَا عَلَى الوُضُوءِ، وَذَلِكَ هُوَ المَطْلُوبُ.