فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 381

لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَ الجَنَابَةِ، فأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَو ثَلَاثًا - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَو الحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وذِراعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأَسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ )) .

الكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِن وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: قَد تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ (( الوَضُوءَ ) )بِفَتْحِ الوَاوِ، هَلْ هُو اسمٌ لِمُطْلَقِ المَاءِ، أَوْ لِلمَاءِ مُضَافًا إِلَى الوُضُوءِ؟ وَقَدْ يُؤخَذُ مِن هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ المَاءِ، فَإنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إِلَى الوُضُوءِ، بِلْ إِلَى الجَنَابَةِ.

الثَّانِي: قَولُهَا: (( فَأكْفَأَ ) )أَي قَلَبَ، يُقَالُ: كَفَأْتُ الإِنَاءَ: إِذَا قَلَبْتُهُ - ثُلَاثِيًّا - وَأكْفَأْتُُهُ أيْضًا رُبَاعِيًّا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي المَشَارِقِ: وَأََنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى (( قَلَبَ ) )وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي (( قَلَبْتُ ) ): (( كَفَأْتُ ) )ثُلَاثِيًّا، وَأَمَّا (( أَكْفَأْتُ ) )، فَبِمَعْنَى: أَمَلْتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الكِسَائِيِّ.

الثَّالِثُ: البَدَاءَةُ بِغَسْلِ الفَرْجِ، لِإِزَالَةِ مَا عَلِقَ بِهِ مِن أَذًى، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ فِي الابْتِدَاءِ عَن الجَنَابَةِ، لِئلَّا يُحْتَاجَ إِلَى غَسْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ الأَعْضَاءِ لِلوُضُوءِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ غَسْلِهَا، فَلَو اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلِلغُسْلِ عَن الجَنَابَةِ، فَهَلْ يُكْتَفَي بِذَلِكَ، أَمْ لَابُدَّ مِن غَسْلَتَينِ، مَرَّةً لِلنَّجَاسَةِ، وَمَرَّةً لِلطَّهَارَةِ عَنِ الحَدَثِ؟ فَيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الحَدِيثِ إِلَّا مُطْلَقُ الغَسْلِ، مِن غَيْرِ ذِكْرِ تَكْرَارٍ، فَقَدْ يُؤخَذُ مِنْهُ: الاكْتِفَاءُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، مِن حَيْثُ إِنَّ الأَصْلَ عَدَمُ غَسْلِهِ ثَانِيًا، وَضَرْبُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَرْضِ أَو الحَائِطِ لِإِزَالَةِ مَا لَعَلَّهُ عَلِقَ بِاليَدِ مِنَ الرَّائِحَةِ، زِيَادَةٌ فِي التَّنْظِيفِ.

الرَّابِعُ: إِذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ، بَعْدَ الاسْتِقْصَاءِ فِي الإِزَالَةِ، لَمْ يَضُرَّ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الفُقَهَاءِ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافٌ، وَقَد يُؤخَذُ العَفْوُ عَنْهُ مِن هَذَا الحَدِيثِ، وَوَجْهُهُ أنَّ ضَرْبَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَرْضِ أَو الحَائِطِ، لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ العَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ مَعَ بَقَاءِ العَيْنِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَتِ اليَدُ نَجِسَةً بِبَقَاءِ العَيْنِ فِيهِا، فَعِنْدَ انْفِصَالِهَا يَنْجُسُ المَحَلُّ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ للطَّعْمِ، لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ العَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِإِزَالَةِ اللَّونِ، لِأَنَّ الجَنَابَةَ بِالإِنْزَالِ أَوْ بِالمُجَامَعَةِ لَا تَقْتَضِي لَونًا يَلْصَقُ بِاليَدِ، وَإِن اتَّفَقَ فَنَادِرٌ جِدًّا، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ الرِّايحَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ رَائِحَةٍ تَجِبُ إِزَالَتُُهَا؛ لِأَنَّ اليَدَ قَد انْفَصَلَتْ عَن المَحَلِّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَو بَقِيَ مَا تَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهُ مِن الرَّائِحَةِ لَمْ يَكُن المَحَلُّ طَاهِرًا، لِأَنَّهُ عِنْدَ الانْفِصَالِ تَكُونُ اليَدُ نَجِسَةً، وَقَد لَابَسَت المَحَلَّ مُبْتَلًّا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرَائِحَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَلَى الأَرْضِ لِطَلَبِ الأَكْمَلِ فِيمَا لَا تَجِبُ إِزَالَتُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: فَصْلُ اليَدِ عَن المَحَلِّ، بِنَاءً عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ بِزَوَالِ رَائِحَتِهِ، وَالضَّرْبُ عَلَى الأَرْضِ لِإِزَالَةِ احْتِمَالٍ فِي بَقَاءِ الرَائِحَةَ، مَعَ الاِكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ فِي زَوَالِهَا. وَالَّذِي يُقَوِّي الاحْتِمَالَ الأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، مِن كَوْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( دَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ) )، وَالدَّلْكُ الشَّدِيدُ لَا يُنَاسِبُهُ هَذَا الاحْتِمَالُ الضَعِيفُ.

الخَامِسُ: قَولُهُا: (( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ) )، دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الأَفْعَالِ فِي الغُسْلِ. وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت