السَّبُعُ )) فدلَّ على تسميتِهِ بالكلبِ. ويُرجِّحُ الأولونَ قولَهم بأنَّ إطلاقَ اسمِ الكلبِ على غيرِ الإنسيِّ المتَّخَذِ خلافُ العُرفِ. واللفظةُ إذا نَقَلَها أهلُ العرفِ إِلَى معنًى كان حملُهَا عليهِ أَوْلى من حملِها على المعنَى اللُّغويِّ.
البحثُ السَّادسُ: اختلفُوا فِي صغارِ هذهِ الأشياءِ. وهيَ عندَ المالكيَّةِ منقسمةٌ. فأمَّا صغارُ الغرابِ، والحِدَأَةِ: فَفِي قتلِهِمَا قولانِ لُهمْ. والمشهورُ: القتلُ. ودليلُهم عمومُ الحديثِ فِي قولهِ: (( الغرابُ والحِدَأَةُ ) )وأمَّا مَنْ منعَ القتلَ للصِّغارِ, فاعتبرَ الصِّفةَ التي عُلِّل بها القتلُ، وهيَ (( الفسقُ ) )على ما شهِدَ بهِ إيماءُ اللفظ, وهذا الفسقُ معدومٌ فِي الصغارِ حقيقةً. والحكمُ يزولُ بزوالِ علَّتهِ. وأما صغارُ الكلابِ ففيها قولانِ لهم أيضًا. وأما صغارُ غيرِ ذلكَ مِن المُسْتَثْنَيَاتِ المذكورةِ فِي الحديثِ فَتُقْتَلُ.
وظاهرُ اللفظِ والإطلاقِ: يقتضِي أن تدخلَ الصّغارُ لانطلاقِ لفظِ (( الغرابِ والحدأةِ ) )وغيرِهمَا عليهَا. وأما الكلبُ العقورُ فإنهُ أُبِيحَ قتلُهُ بصفةٍ تتقيَّدُ الإباحةُ بها ليستْ موجودةً فِي الصغيرِ، ولا هيَ معلومةَ الوجودِ فِي حالةِ الكِبَرِ على تقديرِ البقاءِ، بخلافِ غيرِهِ. فإنه عندَ الكبرِ ينتهِي بطبعِه إِلَى الأذى قطعًا.
البحثُ السَّابعُ: استُدِلَّ بهِ على أنهُ يُقْتَلُ فِي الحرمِ مَن لجَأَ إِلَى الحرمِ بعدَ قتلِهِ لغيرِهِ مثلًا، على ما هو مذهبُ الشافعيِّ. وعُلِّلَ ذلكَ بأنَّ إباحةَ قتلِ هذهِ الأشياءِ فِي الحرمِ مُعلَّلٌ بالفسقِ والعدوانِ، فيُعَمُّ الحكمُ بعمومِ العلَّةِ. والقاتلُ عدوانًا فاسقٌ بعدوانهِ. فتوجدُ الَعِلَّةُ فِي قتلِه، فيُقْتَلُ بالأَوْلَى؛ لأنهُ مكلَّفٌ. وهذهِ الفواسقُ فسقُها طَبْعيٌّ، ولا تكليفَ عليهَا. والمكلَّفُ إذا ارتكبَ الفسقَ هاتكٌ لحرمةِ نفسِه، فهوَ أولى بإقامةِ مقتضَى الفسقِ عليهِ, وهذا عندِي ليسَ بالهيِّنِ، وفيهِِ غَوَرٌ، فليُتَنَبَّهْ لهُ. واللهُ أعلمُ.
223 -الحديثُ الأولُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ ) ).
ثبتَ من قولِ ابنِ شهابٍ فِي روايةِ مالكٍ: (( أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمْ يكنْ مُحْرِمًا ذلكَ اليومَ ) )وظاهرُ كونِ (( المغفرِ ) )على رأسِه، يقتضِي ذلكَ، ولكنَّهُ محتمِلٌ أن يكونَ لعُذرٍ، وأُخِذَ مِن هذَا أن المريدَ لدُخولِ مكةَ إذا كانَ مُحَارِبًا يباحُ لهُ دخولُهُا بغيرِ إحرامٍ، لحاجةِ المحارِبِ إِلَى التَّستُّرِ بما يقيِهِ وَقْعَ السِّلاحِ.
(( وابنُ خَطَلٍ ) )بفتحِ الخاءِ والطاءِ اسمُه عبدُ العُزَّى. وإباحةُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقتلِه قد يُتَمَسَّكُ بهِ فِي مسألةِ إباحةِ قتلِ المُلتجِئِ إِلَى الحرَمِ.
ويجابُ عنه بأنَّ ذَلِك محمولٌ على الخصوصيَّةِ التي دلَّ عليهَا قولُه عليهِ السَّلامُ: (( ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ ) ).
224 -الحديثُ الثَّاني: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى ) ).
(( كَدَاءٌ ) )بفتحِ الكافِ والمدِّ. و (( الثنيةُ السُّفلَى ) )المعروفُ فيهَا (( كُدًى ) )بضمِّ الكافِ والقصرِ. وثَمَّ موضعٌ آخرُ