فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 381

121 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِن الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلاَمُ عَلَيَكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ )) .

وَفِي لفظٍ: (( إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمُ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ ) )وَذَكَرَهُ وَفِيْهِ: (( فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّماءِ وَالأَرْضِ ) )وَفِيْهِ (( فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ ) ).

اختلفَ العُلماءُ فِي حُكْمِ التَّشهُّدِ، فَقِيلَ: إِنَّ الأخيرَ واجبٌ، وَهُوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ، وَظَاهرُ مَذهبِ مَالكٍ أَنهُ سُنَّةٌ، واستُدِلَّ للوجوبِ بِقَولِهِ: (( فَلْيَقُلْ ) )والأمرُ للوجوبِ، إلاَّ أَنَّ مَذهبَ الشَّافعيِّ أَنَّ مَجموعَ مَا توجَّهَ إِلَيْهِ ظَاهرُ الأمرِ لَيْسَ بِوَاجبٍ، بَل الواجبُ بعضُه، وَهُوَ (( التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلاَمٌ عَلَيَكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ) )مِنْ غيرِ إِيجابِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ (( المباركاتِ والصَّلواتِ والطيباتِ ) )، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لاَ يوجِبُ كلَّ مَا بَعدَ السَّلامِ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اللَّفظِ الَّذِي تَوجَّهَ إِلَيْهِ الأمرُ، بل الواجبُ بعضُه، واختلفُوا فِيْهِ، وَعُلِّلَ هَذَا الاقتصارُ عَلَى بعضِ مَا فِي الحديثِ بِأَنَّهُ المُتكرِّرُ فِي جَميعِ الرِّواياتِ، وَعَلَيْهِ إِشكالٌ، لأنَّ الزائدَ فِي بَعْضِ الرِّواياتِِ زيادةٌ مِن عدلٍ، فيجبُ قبولُها إِذَا تَوجَّهَ الأمرُ إِليهَا.

واختلفَ الفقهاءُ فِي المختارِ من ألفاظِ التَّشهُّدِ، فَإِنَّ الرِّواياتِ اختلفتْ فِيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَنيفةَ وَأحمدُ باختيارِ تشهُّدِ ابنِ مسعودٍ هَذَا، وَقِيلَ: إِنهُ أصحُّ مَا رُويَ فِي التشهُّدِ. وَقَالَ الشَّافعيُّ باختيارِ تشهُّدِ ابنِ عباسٍ، وَهُوَ فِي كتابِ مُسلمٍ، لَمْ يذكرْهُ المُصنِّفُ.

ورجَّحَ مَنِ اختارَ تشهُّدَ ابنِ مسعودٍ - بَعدَ كونهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي الصَّحيحينِ - بأنَّ واوَ العطفِ تقتضِي المغايرةَ بَيْنَ المعطوفِ والمعطوفِ عَلَيْهِ، فتكونُ كلُّ جملةٍ ثناءً مُستقلًا، وإِذَا أُسْقِطَتْ واوُ العطفِِ كَانَ مَا عَدَا اللفظِ الأوَّلِ صفةً لَهُ، فيكونُ جُملةً واحدةً فِي الثَّناءِ، والأولُ أبلغُ، فَكَانَ أولَى.

وزادَ بعضُ الْحَنفيَّةِ فِي تقريرِ هَذَا، بأنْ قَالَ: لَوْ قَالَ: (( واللهِ، والرَّحمنِ، والرَّحيمِ ) )لكانتْ أَيمانًا مُتعدِّدةً، تتعدَّدُ بِهَا الكفارةُ، وَلَوْ قَالَ: (( واللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ) )لكانتْ يَمينًا وَاحدةً، فيهَا كفارةٌ واحدةٌ، هَذَا أَوْ مَعناهُ.

ورأيتُ بعضَ مَنْ رجَّحَ مَذهبَ الشَّافعيِّ - فِي اختيارِ تشهُّدِ ابنِ عباسٍ - أجابَ عَنْ هَذَا بأنْ قَالَ: واوُ العطفِ قَدْ تَسقُطُ، وَأَنشدَ فِي ذَلِكَ:

*كَيْفَ أَصبحتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّا*

والمرادُ بِذَلِكَ كَيْفَ أصبحتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ، وَهَذَا أوَّلًا إسقاطٌ للواوِ العاطفةِ فِي عطفِ الجُملِ، ومسألتُنا فِي إسقاطهَا فِي عطفِ المُفرداتِ وَهُوَ أَضعفُ مِن إسقاطِها فِي عطفِ الجُملِ، وَلَوْ كَانَ غيرَ ضعيفٍ لَمْ يمتنعِ التَّرجيحُ بوقوعِ التَّصريحِ بِمَا يقتضِي تعدُّدَ الثناءِ، بِخلافِ مَا لَمْ يُصرَّحْ بِهِ فِيْهِ.

وترجيحٌ آخرُ لتشهُّدِ ابنِ مسعودٍ، وَهُوَ أَنَّ (( السَّلامَ ) )معرَّفٌ فِي تشهُّدِ ابنِ مسعودٍ، مُنَكَّرٌ فِي تشهُّدِ ابنِ عباسٍ، والتعريفُ أعمُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت