فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 381

كَانَ يُجْزِيكِ - إِنْ رَأْيتَهُ - أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ نَضَحْتَ حَوْلَهُ، فَلَقَد رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِن ثَوبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) ، فَحَصرَتِ الإِجَزْاءَ فِي الغَسْلِ لِمَا رَآهُ، وَحَكَمَتْ بِالنَّضْحِ لِمَا لَمْ يَرَهُ، وَهَذَا حُكْمُ النَّجَاسَاتِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الفَرْكُ المَذْكُورُ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ نَاقَضَ آخِرُ الحَدِيثِ أَوَّلَهُ، الَّذِي يَقْتَضِي حَصْرَ الإِجْزَاءِ فِي الغَسْلِ، وَيَقْتَضِي إجْرَاءَ حُكْمِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ فِي النَّضْحِ، إِلَّا أَنَّ دَلَالَةَ قَولِهَا: (( لَأَحُكَّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي ) )أَصْرَحُ وَأَنَصُّ عَلَى عَدَمِ المَاءِ مِمَّا ذُكِرَ مِن القَرَائنِ، مِن كَوْنِهِ مَفْرُوكًا بِالمَاءِ، وَالحَدِيثُ وَاحِدٌ، اخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ، وَأَعْنِي بِالقَرَائِنِ النَّضْحَ لِمَا لَمْ يَرَهُ، وَقَولُهَا: (( إِنَّمَا كَانَ يُجْزِيكَ ) ).

وَمِن النَّاسِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةً أُخْرَى فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي اقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى ذِكْرِ الفَرْكِ، قَالَ: هَذَا لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الفَرْكِ مِن الثَّوبِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ الثَّوبُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى ثَوبِ النَّوْمِ، وَيُحْمَلُ الحَدِيثُ الآخَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ - وَهُوَ قَولُهَا: (( فيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ ) )- عَلَى ثَوْبِ الصَّلَاةِ. وَلَا يُقَالُ: إِذَا حَمَلْتُم الفَرْكَ عَلَى ثَوْبِ الصَّلَاةِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: فَائِدَتُهُ بَيَانُ جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَد تَتَمَشَّى لَوْ لَمْ تَأْتِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ بِقَولِهَا: (( ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ ) )وَفِي بَعْضِهَا: (( فَيُصَلِّي فِيهِ ) )وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِن كَوْنِ الفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ أَنَّهُ يُعَقِّبُ الصَّلَاةَ بِالفَرْكِ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمُ الغَسْلِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَد وَرَدَ بِالوَاوِ، وَبِثُمَّ أَيْضًا فِي هَذَا الحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ الحَدِيثُ وَاحِدًا فَالأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةٌ وَالمَقُولُ مِنْهَا وَاحِدٌ، فَتَقِفُ الدِّلَالَةُ بِالفَاءِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ لَهَا، وَإِنْ كَانَت الرِّوَايَةُ بِالفَاءِ حَدِيثًا مُفْرَدًا، فَيَتَّجِهُ مَا قَالَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ احْتِمَالَ غَسْلِهِ بَعْدَ الفَرْكِ وَاقِعٌ، لَكِنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ، فَيَتَعَارَضُ النَّظَرُ بَيْنَ اتِّبَاعِ هَذَا الأَصْلِ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ القِيَاسِ، وَمُخَالَفَةِ هَذَا الأَصْلِ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهُمَا عُمِلَ بِهِ، لَاسيَّمَا إِن انْضَمَّتْ قَرَائِنُ فِي لَفْظِ الحَدِيثِ تَنْفِي هَذَا الاحْتِمَالَ، فَإِذْ ذَاكَ يَتَقَوَّى العَمَلُ بِهِ، وَيُنْظَرُ إِلَى الرَّاجِحِ بَعْدَ تِلْكَ القَرَائِنِ، أَو مِن القِيَاسِ. وَقَدْ اسْتُعْمِلَ فِي هَذَا الحَدِيثِ لَفْظُ: (( الجَنَابَةِ ) )بِإِزَاءِ (( المَنِيِّ ) )وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِإِزَاءِ المَنْعِ، وَالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المُرَتِّبِ عَلَى خُرُوجِ الخَارِجِ، وَاللهُ أعْلَمُ.

35 -الحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ) ).

وَفِي لَفْظٍ: (( وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ) ).

(( الشُّعَبُ ) )جَمْعُ شُعْبَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِن الشَّيءِ، وَالقِطْعَةُ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي المُرَادِ بِالشُّعَبِ الأَرْبَعِ، فَقِيلَ: يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا، أَوْ رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا، أو فَخِذَاهَا وَإِسْكِتَاهَا، أَو نَوَاحِي الفَرْجِ الأَرْبَعِ، وَفُسِّرَ (( الشُّعَبُ ) )بِالنَّوَاحِي، وَكَأَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى طَلَبِ الحَقِيقَةِ المُوجِبَةِ لِلغُسْلِ، وَالأَقْرَبُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ المُرَادُ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَينِ، أَو الرِّجْلَينِ وَالفَخِذَينِ، وَيَكُونَ الجِمَاعُ مَكْنِيًّا عَنْهُ بِذَلِكَ، وَيَكْتَفِي بِمَا ذُكِرَ عَن التَّصْرِيحِ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا هَذَا، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الحَقِيقَةِ، إِذْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إِذَا حُمِلَ عَلَى نَوَاحِي الفَرْجِ، فَلَا جُلُوسَ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً، وَقَدْ يُكْتَفَي بِالكِنَايَةِ عَن التَّصْرِيحِ، لَاسِيَّمَا فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الأَمَاكِنِ الَّتِي يُسْتَحْيَى مِن التَّصْرِيحِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت