وَاحِدَةٌ، فًلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ، وَأَكْثَرُوا مِن هَذَا السُّؤالِ فِيمَا لا يُحْصَى مِن أَلْفَاظِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدنًا لَهُمْ فِي الجِدَالِ، وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ، بَل الوَاجِبُ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى العُمُومِ فِي الذَّوَاتِ - مَثَلًا - يَكُونُ دَالًا عَلَى ثُبُوتِ الحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ، فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى العُمُومِ. نَعَمْ المَطْلَقُ يَكْفِي العَمَلُ بِهِ مَرَّةً كَمَا قَالُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالعُمُومِ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ مِن حَيْثُ الإِطْلَاقُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ مِن حَيْثُ المُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ العُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ، فَإِنْ كَانَ المُطْلَقُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي العَمَلُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ العُمُومِ، اكْتَفَيْنَا فِي العَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ العَمَلُ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى صِيغَةِ العُمُومِ، قُلْنَا بِالعُمُومِ مُحَافَظَةً عَلَى مُقْتَضَى صِيغَتِهِ، لا مِنْ حَيْثُ إنَّ المُطْلَقَ يَعمُّ، مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا قَالَ: مَن دَخَلَ دَارِي فَأََعْطِهِ دِرْهَمًا، فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ العُمُومُ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هُو مُطْلَقٌ فِي الأَزْمَانِ، فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا، وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الوقْتِ؛ لأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، لِعَدَمِ عُمُومِ المُطْلَقِ، قُلْنَا لَهُ: لَمَّا دَلَّتِ الصِّيغةُ عَلَى العُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَت الدَّارِ، وَمِن جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَإِذَا أَخْرَجْتَ تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ أَخْرَجْتَ مَا دَلَّت الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ، وَهِي كُلُّ ذَاتٍ. وَهَذَا الحَدِيثُ أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا، فَإِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِن أَهْلِ اللَّسَانِ وَالشَّرْعِ، وَقَد اسْتَعْمَلَ قَوْلَهُ: (( لا تَسْتَقْبِلُوا وَلا تَسْتَدْبِرُوا ) )عَامًّا فِي الأَمَاكِنِ، وَهُو مُطْلَقٌ فِيهَا، وَعَلَى مَا قَالَ هَؤلَاءِ المُتَأَخِّرِونَ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ العُمُومُ، وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ يَعُمُّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أُخْرِجَ عَنْهُ بَعْضُ الأَمَاكِنِ خَالَفَ صِيغَةَ العُمُومِ فِي النَّهْيِ عَن الاسْتِقْبَالِ وَالاسْتِدْبَارِ.
العَاشِرُ: قَوْلُهُ: (( وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ ) )، قِيلَ: يُرَادُ بِهِ لِبَانِي الكُنُفِ عَلَى هَذِهِ الصُورَةِ المَمْنُوعَةِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ إِذَا انْحَرَفَ عَنْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَمْنُوعًا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الاسْتِغْفَارِ، وَالأَقْرَبُ أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ لِنَفْسِهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَ وَاسْتَدْبَرَ بِسَبَبِ مُوَافَقَتِهِ لِمُقْتَضَى البِنَاءِ غَلَطًا أَو سَهْوًا، فَيَتَذَكَّرُ فَيَنْحَرِفُ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَالغَالِطُ وَالسَّاهِي لَمْ يَفْعَلَا إِثْمًا، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الاسْتِغْفَارِ، قُلْتُ: أَهْلُ الوَرَعِ وَالمَنَاصِبِ العَلِيَّةِ فِي التَّقْوَى قَد يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا، بِنَاءً عَلَى نِسْبَتِهِم التَّقْصِيرَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي [عَدَمِ] التَّحَفُّظِ ابْتِدَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ.
13 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( رَقَيتُ يَومًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ ) ). وَفِي رِوَايَةٍ: (( مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ ) ).
(( عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ) )تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي ذِكْرِ أَبِيهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا وَدِينًا، تُوُفِّي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَ ابنُ عُمَرَ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
هَذَا الحَدِيثُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ المُتَقَدِّمَ مِن وَجْهٍ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَيْفِيَّةِ العَمَلِ بِهِ أوْ بِالأَوَّلِ عَلَى أَقْوالٍ، فَمِنْهُمْ مَن رَأَى أنهُ ناسِخٌ لحديثِ المَنْعِ، واعتقَدَ الإِباحةَ مُطْلَقًا، وكأنهُ رأى أنَّ تَخْصِيصَ حُكْمِهِ بِالبُنْيَانِ