فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 381

وكسرِ ثانِي الحروفِ، وآخِرُهُ غينٌ مُعجَمةٌ- وقالَ بعضُ المالكيَّةِ: وتأوَّلَ أصحابُنَا الحديثَ علَى أنَّهُ مقصورٌ علَى زمنِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ؛ لأنَّه كانَ يكفِي الجانِي منهم هذا القدْرُ. وهذا في غايةِ الضعفِ أيضًا؛ لأنَّه تَرْكٌ للعمومِ بغيرِ دليلٍ شرعيٍّ علَى الخصوصِ. وما ذكرَهُ مناسبةٌ ضعيفةٌ، لا تستقلُّ بإثباتِ التخصيصِ.

قالَ هذا المالكِيُّ: وتأوَّلُوهُ أيضًا علَى أن المرادَ بقولِهِ:"فِي حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ"أيْ: حقٍّ من حقوقِهِ، وإنْ لم يكنْ من المعاصِي المُقدَّرَةِ حدودُهَا؛ لأنَّ المحرَّماتِ كلَّها من حدودِ اللَّهِ.

وبلغنِي عن بعضِ أهلِ العصرِ: أنَّهُ قرَّرَ هذا المعنَى بأنَّ تخصيصَ الحدِّ بهذهِ المُقدَّراتِ أمْرٌ اصطلاحيٌّ فقهيٌّ، وأنَّ عُرْفَ الشرعِ في أوَّلِ الإسلامِ لم يكنْ كذلك، أو يُحتَمَلُ أنْ لا يكونَ كذلك - هذا أو كما قالَ - فلا يخرجُ عنه إلا التأديباتُ التي ليستْ عن مُحرَّمٍ شرعيٍّ.

وهذا - أوَّلًا - خروجٌ في لفظةِ:"الحدِّ"عن العُرْفِ فيها. وما ذكرَهُ هذا العصريُّ: يُوجبُ النَّقْلَ. والأصلُ عَدَمُهُ.

وثانيًا: أنَّا إذا حملناهُ علَى ذلك، وأجزْنَا في كلِّ حقٍّ من حقوقِ اللَّهِ: أنْ يُزادَ، لم يبقَ لنا شيءٌ يختصُّ المنعُ فيه بالزيادةِ علَى عشَرَةِ أسواطٍ؛ إذ ما عدَا المحرَّماتِ كلَّها، التي لا تجوزُ فيها الزيادةُ: ليسَ إلا ما ليسَ بمُحرَّمٍ. وأصلُ التعزيرِ فيه ممنوعٌ. فلا يبقَى لخصوصِ منْعِ الزيادةِ معنًى. وهذا أوردْنَاهُ علَى ما قالَهُ المَالكِيُّ في إطلاقِهِ لحقوقِ اللَّهِ. وقد يتعذَّرُ عنه بما أشرْنَا إليهِ، من أنَّهُ لا يخرجُ عنه إلا التأديباتُ علَى ما ليسَ بمُحرَّمٍ. ومع هذا فيحتاجُ إلَى إخراجِهَا عن كوْنِهَا من حقوقِ اللَّهِ.

وثالثًا - علَى أصْلِ الكلامِ، وما قالَهُ العصريُّ - فيما نُقِلَ عنه - ما تقدَّمَ في الحديثِ قبْلَهُ من حديثِ عبدِ الرحمنِ:"أَخَفُّ الحُدودِ ثمانونَ"فإنَّهُ يقطعُ دابرَ هذا الوهمِ، ويدلُّ علَى أنَّ مصطلحَهُمْ في الحدودِ: إطلاقُهَا علَى المُقدَّرَاتِ التي يُطلِقُ عليها الفقهاءُ اسمَ"الحدِّ"فإنَّ ما عدا ذلك لا ينتهِي إلَى مقدارِ أربعينَ، فهو ثمانونَ. وإنَّمَا المُنتهَى إليه: هي الحدودُ المُقدَّراتُ. وقد ذهبَ أشهبُ من المالكيَّةِ إلَى ظاهرِ هذا الحديثِ، كما ذهبَ إليه صاحبُ التقريبِ من الشافعيَّةِ. والحديثُ مُتعرِّضٌ للمنْعِ من الزيادةِ علَى العشَرَةِ. ويبقَى ما دونَهَا لا نعرضُ للمنْعِ فيه. وليسَ التخييرُ فيه، ولا في شيءٍ ممَّا يُفوَّضُ إلَى الولاةِ: تخييرُ تَشَهٍّ، بل لا بدَّ عليهم من الاجتهادِ.

وعن بعضِ المالكيَّةِ: أنَّ مُؤدِّبَ الصبيانِ لا يزيدُ علَى ثلاثةٍ. فإنْ زادَ اقْتُصَّ منه. وهذا تحديدٌ يُبعدُ إقامةَ الدليلِ المتينِ عليه؛ ولعلَّهُ يأخذُهُ من أنَّ الثلاثَ: اعتبِرَتْ في مواضعَ. وهو أوَّلُ حدِّ الكثرةِ. وفي ذلك ضعْفٌ.

والذي ذكرَهُ المصنِّفُ - من أنَّ أبا بُردةَ: هو هانئُ بنُ نيارٍ - مختَلَفٌ فيه، فقد قيلَ: إنَّه رَجُلٌ من الأنصارِ.

كتابُ الأيْمَانِ والنُّذُورِ

الحديثُ الأوَّلُ: عن عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإْمَارَةَ، فإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يِمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".

فيه مسائلُ. الأولَى: ظاهرُهُ يقتضِي كراهيةَ سؤالِ الإمارةِ مطلقًا، والفقهاءُ تصرَّفُوا فيه بالقواعدِ الكُلِّيَّةِ، فمَن كانَ مُتعَيَّنًا للولايةِ وجبَ عليه قَبولُهَا إنْ عُرضتْ عليه، وطَلَبُهَا إنْ لم تُعْرَضْ؛ لأنَّه فرْضُ كفايةٍ، لا يتأدَّى إلا به؛ فيتعيَّنُ عليه القيامُ به، وكذا إذا لم يتعيَّنْ، وكانَ أفضلَ من غيرِهِ، ومنَعْنَا ولايةَ الفضولِ مع وُجودِ الأفضلِ، وإنْ كانَ غيرُهُ أفضلَ منه، ولم نَمْنعَ توليةَ المفضولِ مع وجودِ الفاضلِ، فههنا يُكرَهُ له أنْ يدخلَ في الولايةِ، وأنْ يسألَهَا. وحرَّمَ بعضُهم الطلَبَ، وكَرِهَ للإمامِ أنْ يولِّيَهُ، وقالَ: إنْ ولَّاهُ انعقدتْ ولايتُهُ، وقد استُخْطِئَ فيما قالَ. ومن الفقهاءِ مَن أطلقَ القولَ بكراهيةِ القضاءِ، لأحاديثَ وردتْ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت