فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 381

وَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن التَّأْوِيلَاتِ تُذْكَرُ لِبَيَانِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِن المَعَانِي، لِيَخْرُجَ ظَاهِرُهُ عَن النُّصُوصِيَّةِ، لَا عَلَى أَنَّهُ يُجْزَمُ بِإِرَادَةِ مُتَعَيِّنٍ مِنْهَا، إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ. وَأَمَّا قَولُهُمْ: (( مَعْنَاهُ إنَّ سُنَّةَ اللهِ وَشَرْعَهُ أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِن الحَقِّ ) )، فَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيرٌ بَالِغٌ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنَّ يُسْنَدَ فِعْلُ الاِسْتِحْيَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أوْ لَا، وَيَجْعَلُهُ فِعْلًا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَإِنْ أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَالسُّؤالُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَغَايَةُ مَا فِي البَابِ أَنَّهُ زَادَ قَولَهُ: (( سُنَّةَ اللهِ وَشَرْعِهِ ) )، وَهَذَا لَا يُخَلِّصُ مِن السُّؤالِ، وَإِنْ بَنَوا الفِعْلَ لِمَا لَمْ يُسمَّ فَاعِلُهُ، فَكَيْفَ يُفَسِّرُ فِعْلًا بُنِيَ لِلفَاعِلِ، وَالمَعْنَيَانِ مُتَبَايِنَانِ، وَالإِشْكَالُ إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى بِنَائِهِ لِلفَاعِلِ؟

الوَجْهُ الرَّابِعُ: الأَقْرَبُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الكَلَام حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ لَا يَمْتَنِعُ مِن ذِكْرِ الحَقِّ، وَ (( الحَقُّ ) )هَهُنَا خِلَافُ البَاطِلِ، وَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن الكَلَامِ أَنْ يُقْتَدَى بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَبِذِكْرِ هَذَا الحَقِّ الَّذِي دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَيْهِ مِن السُّؤالِ عَن احْتِلَامِ المَرْأةِ.

الوَجْهُ الخَامِسُ: (( الاحْتِلَامُ ) )فِي الوَضْعِ: افْتِعَالٌ مِن الحُلْمِ - بِضَمِّ الحَاءِ وَسُكُونُ اللَّامِ - وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَومِهِ، يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ - بِفَتْحِ اللَّامِ - وَاحْتَلَمَ، وَاحْتَلَمْتُ بِهِ، وَاحْتَلَمْتُهُ. وَأَمَّا فِي الاسْتِعْمَالِ وَالعُرْفِ العَامِّ، فَإِنَّهُ قَدْ خُصَّ هَذَا الوَضْعُ اللُّغَوِيُّ بِبِعْضِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَهُوَ مَا يَصْحَبُهُ إِنْزَالُ المَاءِ، فَلَو رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ لِصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (( احْتَلَمَ ) )وَضْعًا، وَلَمْ يَصِحَّ عُرْفًا.

الوَجْهُ السَّادِسُ: قَولُهُا: (( هِيَ ) )تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ، وَلَوْ أُسْقِطَتْ مِن الكَلَامِ لَتَمَّ أَصْلُ المَعْنَى.

السَّابِعُ: الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِإِنْزَالِ المَرْأَةِ المَاءَ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الرَّجُلِ، قَولُهُ: (( إنَّمَا المَاءُ مِن المَاءِ ) )، ويَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّمَا المَاءُ مِن المَاءِ ) )، وَسَأَلَتْ عَن حَالِ المَرْأَةِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهَا إِلَى ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ، وَلَكِنَّهَا سَأَلَتْ عَن حَالِ المَرْأَةِ، لِقِيَامِ مَانِعٍ فِيهَا يُوهِمُ خُرُوجَهَا عَن ذَلِكَ العُمُومِ، وَهِيَ نُدْرَةُ نُزُولِ المَاءِ مِنْهَا.

الثَّامِنُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَ المَاءِ فِي حَالَةِ النَّومِ مُوجِبٌ لِلغُسْلِ، كَإِنْزَالِ فِي حَالَةِ اليقَظَةِ.

التَّاسِعُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا رَأْت المَاءَ ) )قَدْ يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَن يَزْعُمُ أَنَّ مَاءَ المَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا، بِقَوْلِهِ: (( إِذَا رَأت المَاءَ ) ).

العَاشِرُ: قَوْلُهُ: (( إِذَا رَأَت المَاءَ ) )يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَاعَاةً لِلوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فِي قَوْلِهَا: (( احْتَلَمَتْ ) )فَإِنَّا قَد بَيَّنَّا أَنَّ (( الاحْتِلَامَ ) )رُؤيَةُ المَنَامِ كَيْفَ كَانَ وَضْعًا، فَلَمَّا سَأَلَتْ: (( هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِن غُسْلٍ إِذَا هِي احْتَلَمَتْ؟ ) )وَكَانَتْ لَفْظَةُ (( احْتَلَمَتْ ) )عَامّةً خُصِّصَ الحُكْمُ بِمَا إِذَا رَأَت المَاءَ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَا لَفْظَةَ (( احْتَلَمَتْ ) )عَلَى المَعْنَى العُرْفِيِّ، كَانْ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا رَأَت المَاءَ ) )كَالتَّأْكِيدِ وَالتَّحْقِيقِ لِمَا سَبَقَ مِن دَلَالَةِ اللَّفْظِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الإِنْزَالُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الاحْتِلَامُ عُرْفًا عَلَى قِسْمَينِ: تَارَةً يُوجَدُ مَعَهُ البُرُوزُ إِلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً لَا فَيَكُونُ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا رَأَت المَاءَ ) )مُخَصِّصًا لِلحُكْمِ بِحَالَةِ البُرُوزِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ فَائِدَةً زَائِدَةً، لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مَن أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِن الفُقَهَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الغُسْلِ بِالإِنْزَالِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت