الفُلْكِ - كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَن كَانَ مُؤمِنًا مَعَهُ، وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ هَذَا العُمُومَ فِي الرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ البِعْثَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ الحَادِثِ الَّذِي حَدَثَ، وَهُوَ انْحِصَارُ النَّاسِ فِي المَوجُودِينَ، لِهَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ فِي أَصْلِ بِعْثَتِهِ.
وَأَيضًا فَعُمُومُ الرِّسَالَةِ يُوجِبُ قَبُولَهَا عُمُومًا فِي الأَصْلِ وَالفُرُوعِ، وَأَمَّا التَّوحِيدُ، وَتَمْحِيصُ العِبَادَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي حَقِّ بَعْضِِ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُ فُرُوعِ شَرْعِهِ لَيْسَ عَامًّا، [فَإِنَّ مِن الأَنْبِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَن قَاتَلَ غَيْرَ قَوْمِهِ عَلَى الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، فَلَوْ لَمْ يَكُن التَّوحِيدُ لَازِمًا لَهُمْ بِشَرْعِهِ، أَو شَرْعِ غَيْرِهِ، لَمْ يُقَاتَلُوا، وَلَمْ يُقْتَلُوا، إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ القَائِلَينَ بِالحُسْنِ وَالقُبْحِ العَقْلَيَّينِ] ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ عَامَّةً، لَكِنْ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِهِ لِسَائِرِ الخَلْقِ، وَإِنْ لَمْ تَعُمَّ الدَّعْوَةُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَبِيٍّ وَاحِدٍ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: (( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) )الرُّعْبُ هُوَ الوَجَلُ وَالخَوْفُ لِتَوَقُّعِ نُزُولِ مَحْظُورٍ، وَالخُصُوصِيَّةُ الَّتِي يَقْتَضِيهَا لَفْظُ الحَدِيثِ مُقَيَّدَةٌ بِهَذَا القَدْرِ مِن الزَّمَانِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُنْفَى وُجُودُ الرُّعْبِ مِن غَيْرِهِ فِي أَقَلَّ مِن هَذِهِ المَسَافَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الفَضَائِلِ وَالخَصَائِصِ، وَيُنَاسِبُهُ أَنْ تُذْكَرَ الغَايَةُ فِيهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو وُجِدَ لِغَيْرِهِ فِي أَكْثَرِ مِن هَذِهِ المَسَافَةِ لَحَصَلَ الاِشْتِرَاكُ فِي الرُّعْبِ فِي هَذَهِ المَسَافَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الخُصُوصِيَّةِ بِهَا.
الثَّالِثُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا ) )المَسْجِدُ مَوضِِعُ السُّجُودِ فِي الأَصْلِ، ثُمُّ يُطْلَقُ فِي العُرْفِ عَلَى المَكَانِ المَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ الَّتِي السُّجُودُ مِنْهَا، وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ (( المَسْجِدُ ) )هَهُنَا عَلَى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، أَيْ جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، أَعْنِي مَوضِعَ السُّجُودِ، أَي لَا يَخْتَصُّ السُّجُودُ مِنْهَا بِمَوضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ مَجَازًا عَن المَكَانِ المَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَت الصَّلَاةُ جَمِيعُهَا كَانَتْ كَالمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ، فَإِطْلَاقُ اسْمِهِ عَلَيْهَا مِنْ مَجَازِ التَّشْْبِيهِ، وَالَّذِي يُقَرِّبُ هَذَا التَّأْوِيلَ، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ أَنَّهَا مَواضِعُ لِلصَّلَاةِ بِجُمْلَتِهَا، لَا لِلسُّجُودِ فَقَطْ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الأُمَمَ المَاضِيَةَ كَانَتَ تَخُصُّ السُّجُودَ وَحْدَهُ بِمَوضِعٍ دُونَ مَوضِعٍ.
الرَّابِعُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( طَهُورًا ) )اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ المُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ خُصُوصِيَّتَهُ بِكَوْنِهَا طَهُورًا، أَيْ مُطَهِّرًا، وَلَوْ كَانَ (( الطَّهُورُ ) )هُوَ الظَّاهِرُ لَمْ تَثْبُت الخُصُوصِيَّةُ، فَإِنَّ طَهَارَةَ الأَرْضِ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ الأُمَمِ.
الأَمْرُ الثَّانِي: اسْتَدَلَّ بِهِ مَن جَوَّزَ التَّيَمُّمَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ، لِعُمُومِ قَولِهِ: (( جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) )وَالَّذِينِ خَصُّوا التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ اسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: (( وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا ) )وَهَذَا خَاصٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ العَامُّ، وَتَخْتَصُّ الطَّهُورِيَّةُ بِالتُّرَابِ.