فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 381

وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِوُجُوهٍ، مِنْهَا مَنْعُ كَوْنِ التُّرْبِةِ مُرَادِفَةً لِلتُّرَابِ، وَادُّعِىَ أَنَّ تُرْبَةَ كُلِّ مَكَانٍ مَا فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، أَعْنِِي تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ، وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الأُصُولِ، وَقَالُوا: لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا الدَّقَّاقُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ فِي الحَدِيثِ قَرِينَةً زَائِدَةً عَنْ مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالتُّرَبَةِ، وَهُوَ الاِفْتِرَاقُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ جَعْلِهَا مَسْجِدًا، وَجَعْلِ تُرْبَتِهَا طَهُورًا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ. وَهَذَا الافْتِرَاقُ فِي هَذَا السِّياقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الاِفْتِرَاقِ فِي الحُكْمِ، وَإلَّا لَعُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخرِ نَسَقًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.

وَمِنْهَا أَنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ الَّذِي خُصَّتْ فِيهِ (( التُّرْبَةُ ) )بِالطَّهُورِيَّةِ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَفْهُومَهُ مَعْمُولٌ بِهِ، لَكَانَ الحَدِيثُ الآخَرُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهُورِيَّةِ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الأرْضِ، أََعْنِي قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) )، فَإِذَا تَعَارَضَ فِي غَيْرِ التُّرَابِ دَلَالَةُ المَفْهُومِ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ طَهُورِيَّتِهِ، وَدَلَالَةَ المَنْطُوقِ الَّذِي يَقْتَضِي طَهُورِيَّتَهُ، فَالمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى المَفْهُومِ. وَقَد قَالُوا: إِنَّ المَفْهُومَ يُخَصِّصُ العُمُومَ، فَتَمْتَنِعُ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ إِذَا سُلِّمَ المَفْهُومُ هَهُنَا، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى خِلَافِ هَذِهِ القَاعِدَةِ، أَعْنِي تَخْصِيصَ العُمُومِ بِالمَفْهُومِ ثُمَ عَلَيْكَ - بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ - بِالنَّظَرِ فِي مَعْنَى مَا أَسْلَفْنْاهُ مِن حَاجَةِ التَّخْصِيصِ إِلَى التَّعَارُضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العُمُومِ فِي مَحَلِّهِ.

الأَمْرُ الثَّالِثُ: أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ المَالِكِيَّةِ أَنَّ لَفْظَةَ: (( طَهُورٍ ) )تُسْتَعْمَلُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحَدَثِ وَلَا الخَبَثِ، وَقَالَ: إِنَّ (( الصَّعِيدَ ) )قَدْ يُسَمَّى طَهُورًا، وَلَيْسَ عَن حَدَثٍ، وَلَا عَن خَبَثٍ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ جَوَابًا عَن اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى نَجَاسَةِ فَمِ الكَلْبِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( طُهُورُ إنَاءِ أحَدِكُم، إِذَا وَلَغَ فَيهِ الكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا ) )، فَقَالُوا: (( طُهُورُ ) )يُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَن حَدَثٍ أَو خَبَثٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الإِنَاءِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ عَن خَبَثٍ. فَمَنَعَ هَذَا المُجِيبُ المَالِكِيُّ الحَصْرَ، وَقَالَ: إِنَّ لَفْظَةَ (( طُهُورٍِ ) )يُسْتَعْمَلُ فِي إِبَاحَةِ الاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي التُّرَابِ، إِذْ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ كَمَا قُلْنَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ )) مُسْتَعْمَلًا فِي إِبَاحَةِ اسْتِعْمَالِهِ، أَعْنِي الإِنَاءَ، كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ - وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ - لَكِنَّهُ عَنْ حَدَثٍ، أَيْ المُوجِبُ لِفِعْلِهِ حَدَثٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا: (( إِنَّهُ عَنْ حَدَثٍ ) )وَبَيْنَ قَوْلِنَا: (( إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ ) )وَرُبَّمَا تَقَدَّمَ هَذَا أَوْ بَعْضُهُ.

الخَامِسُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِن أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فلَيُصَلِّ ) )مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عُمُومِ التَّيَمُّمِ بِأَجْزَاءِ الأَرْضِ، لِأَنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّمَا رَجُلٍ ) )صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَّدْخُلُ تَحْتَهُ مَن لَمْ يَجِدْ تُرَابًا، وَوَجَدَ غَيْرَهُ مِن أَجْزَاءِ الأَرْضِ، وَمَن خَصَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ يَحْتَاجُ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا يَخُصُّ بِهِ هَذَا العُمُومَ، أَو يَقُولُ: دَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي، وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، فَأَقُولُ بِمُوجِبِ الحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (( فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ ) )، وَالحَدِيثُ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا.

السَّادِسُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( حُلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ ) )يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: جَوَازُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَقْسِمَهَا كَمَا أَرَادَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ) [الأَنْفَال: 1] ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرَادَ بِهِ: لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا شَيءٌ لِغَيْرِهِ وَأُمَّتِهِ، وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ مَا يُشْعِرُ ظَاهِرُهُ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالغَنَائِمِ بَعْضُهَا، وَفِي الأَحَادِيثِ: (( وَأُحِلَّ لَنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت