فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 381

الحَدِيثِ: الاسْتِيَاكُ بِسِوَاكِ الغَيْرِ، وَفِيهِ العَمَلُ بِمَا يُفْهَمُ مِن الإِشَارَةِ وَالحَرَكَاتِ.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ) )، إِشَارَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَولِهِ تَعَالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللََّهُ عَلَيْهِمْ) [النِّسَاء: 69] ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيهِمْ) [الفَاتِحَة: 7] ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهِيَ قَولُهُ: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) ، فَكَأَنَّ هَذِهِ تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ صُنِّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ يُفَسَّرُ فِيهِ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ.

وَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ) )، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (( الأَعْلَى ) )مِن الصِّفَاتِ اللَازِمَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَفْهُومٌ يُخَالِفُ المَنْطُوقَ، كَمَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَاََ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) [المُؤمِنُون: 117] ، وَلَيْسَ ثََمَّةَ دَاعٍ إِلهًا آخَرَ لَهُ بِهِ بُرْهَانٌ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ: (النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) [آلِ عِمْرَان: 21] ، وَلَا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيِّينَ إِلَّا بَغَيْرِ حَقٍّ، فَكَوْنُ (( الرَّفِيقِ ) )لَمْ يُطْلَقْ إِلَّا عَلَى الأَعْلَى الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الرَّفِيقُ. وَيُقَوِّي هَذَا مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ ) )، وَلَمْ يَصِفْهُ بِالأَعْلَى، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ المُرَادُ بِلَفْظَةِ (( الرَّفِيقِ الأَعْلَى ) ).

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّفِيقِ مَا يَعُمُّ الأَعْلَى وَغَيْرَهُ، ثُمَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَصَّ الرَّفِيقَانِ مَعًا بِالمُقَرَّبِينَ المَرْضِيِّينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَرَاتِبَهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ، فَيَكُونُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الرَّفِيقِ، وَإِنْ كَانَ الكُلُّ مِن السُّعَدَاءِ المَرْضيِّينَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَطْلَقُ (( الرَّفِيقَ ) )بِالمَعْنَى الوَضْعِيِّ الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ رَفِيقٍ، ثُمَّ يُخَصُّ مِنْهُ (( الأَعْلَى ) )بِالطَّلَبِ، وَهُوَ مُطْلَقُ المَرْضِيِّينَ، وَيَكُونُ (( الأَعْلَى ) )بِمَعْنَى العَالِي، وَيَخْرُجُ عَنْهُ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ اسْمُ (( الرَّفِيقِ ) )مُنْطَلِقًا عَلَيْهِمْ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، فَفِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الاسْتِيَاكُ عَلَى اللَّسَانِ، وَاللَّفَظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الكِتَابِ - وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الاسْتِيَاكِ عَلَى اللَّسَانِ - فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَالعِلَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الاسْتِيَاكَ عَلَى الأَسْنَانِ مَوجُودَةٌ فِي اللَّسَانِ، بَلْ هِيَ أَبْلََغُ وَأَقْوى، لِمَا يَرتَقِي إِلَيْهِ مِنْ أَبْخِرَةِ المَعِدَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الفُقَهَاءُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الاسْتِيَاكُ عَرَضًا، وَذَلِكَ فِي الأَسْنَانِ، وَأَمَّا فِي اللَّسَانِ، فَقَدْ وَرَدَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (( الاسْتِيَاكُ فِيهِ طُولًا ) ).

الثَّانِي: تَرْجَمَ البُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ بِاسْتِيَاكِ الإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ، فَقَالَ: (( بَابُ اسْتِيَاكِ الإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ ) ). قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الشَّارِحُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللهُ: وَالتَّرَاجِمُ الَّتِى يُتَرْجِمُ بِهَا أَصْحَابُ التَّصَانِيفِ عَلَى الأَحَادِيثِ، إَشَارَةٌ إِلَى المَعَانِي المُسْتَنْبَطَةِ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، مِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى المَعْنَى المُرَادِ، مُفِيدٌ لِفَائِدَةٍ مَطْلُوبَةٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِىُّ الدِّلَالَةِ عَلَى المُرَادِ، بَعِيدٌ مُسْتَكْرَهٌ، لَا يَتَمَشَّى إِلَّا بِتَعَسُّفٍ، وَمِنْهَا مَا هُو ظَاهِرُ الدِّلَالَةِ عَلَى المُرَادِ، إِلَّا أَنَّ فَائِدَتَهُ قَلِيلَةً لَا تَكَادُ تُسْتَحْسَنَ، مِثْلَ مَا تُرْجِمَ (( بَابُ السِّوَاكِ عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ ) )، وَهَذَا التَّقْسِيمُ - أَعْنِي مَا لَا تَظْهَرُ مِنْهُ الفَائِدَةُ - يَحْسُنُ إِذَا وُجِدَ مَعْنًى فِي ذَلِكَ المُرَادِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ، فَتَارَةٌ يَكُونُ سَبَبَهُ الرَّدُّ عَلَى مُخَالِفٍ فِي المَسْأَلَةِ لَمْ تَشْهَرْ مَقَالَتُهُ، مِثْلَ مَا تُرْجِمَ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: (( مَا صَلَّيْنَا ) )، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَن بَعْضِهِمْ (( أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ) )، وَرَدَّ عَلَيهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنْ صَلَّيْتَهَا، أَوْ مَا صَلَّيْتَهَا ) )، وَتَارَةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت