فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 381

وقال جمهورُ الفقهاءِ: يُقَاتَلونَ على البغيِ إذا لمْ يُمْكِنْ ردُّهم عن البغيِ إلا بالقتالِ؛ لأنَّ قتالَ البُغَاةِ من حقوقِ اللهِ تعالى التي لا يجوزُ إضاعتُهُا، فحفظُها فِي الحرمِ أَوْلَى مِن إضاعتِها. وقيلَ: إنَّ هذا الذِي نقلَهُ عن جمهورِ الفقهاءِ نصَّ عليهِ الشَّافعيُّ فِي كتابِ اختلافِ الحديثِ من كتابِ الأمِّ ونصَّ عليهِ أيضًا فِي آخرِ كتابِهِ المُسَمَّى بسِيَرِ الواقديِّ. وقيلَ: إنَّ الشافعيَّ أجابَ عن الأحاديثِ بأن معناهَا تحريمُ نصبِِ القتالِ عليهمْ وقتالِهم بما يَعُمُّ، كالْمَنْجَنِيقِ وغيرِه، إذا لم يُمْكِنْ إصلاحُ الحالِ بدونِ ذلكَ، بخلافِ ما إذَا انحصرَ الكفَّارُ فِي بلدٍ آخرَ., فإنهُ يجوزُ قتالُهُم على كلِّ وجهٍ، وبكلِّ شيءٍ. واللهُ أعلمُ.

وأقولُ: هذا التأويلُ على خلافِ الظَّاهرِ القويِّ، الذي دلَّ عليهِ عمومُ النَّكرةِ فِي سياقِ النَّفي، فِي قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَلاَ يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بهَا دَمًا ) )وأيضًا فإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيّن خصوصيَّتَهُ لإحلالِهَا لهُ ساعةً مِن نهارٍ، وقالَ: (( فإنْ أحدٌ ترخَّصَ بقتالِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقولُوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لرَسُولِهِ , وَلَمْ يأْذَنْ لَكُمْ ) )فأَبانَ بهذا اللَّفظِ؛ أنَّ المأذونَ للرَّسولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهِ لم يُؤْذَنْ فيهِ لغيرهِ. والذِي يؤذَنُ للرَّسولِ فيهِ إِنَّمَا هوَ مطلقُ القتالِ، ولمْ يَكنْ قتالُ رسولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهلِ مكَّةَ بمنْجنيقٍ وغيرِه مِمَّا يَعُمُّ، كمَا حُمِلَ عليهِ الحديثُ فِي هذا التَّأويلِ. وأيضًا فالحديثُ وسياقُهُ يدلُّ علَى أنَّ هذَا التحريمَ لإظهارِ حُرمَةِ البُقعةِ بتحريمِ مطلقِ القِتالِ فيهَا وسفكِ الدَّمِ. وذلكَ لا يختصُّ بما يَسْتَأْصِلُ. وأيضًا فتخصيصُ الحديثِ بما يَسْتَأْصِلُ ليسَ لنا دليلٌ على تعيينِ هذا الوجهِ بعينهِ لأنْ يحملَ عليهِ الحديثُ. فلو أنَّ قائلًا أبدَى معنًى أخرَ، وخصَّ به الحديثَ لم يكنْ بأولَى من هذا.

والأمرُ الثانِي: يَستدِلُّ بهِ أبو حنيفةَ فِي أنَّ الملتجِئَ إِلَى الحَرَمِ لا يُقتلُ بهِ؛ لقولِهِ عليهِ السَّلامُ: (( لا يحلُّ لامرئٍ أن يَسْفِكَ بها دمًا ) )وهذَا عامٌّ تدخلُ فيهِ صورةُ النِّزاعِ، قالَ: بلْ يُلجَأُ إِلَى أن يُخرَجَ من الحَرَمِ، فيُقْتَلَ خارجَهُ، وذلكَ بالتضييقِ عليهِ.

الرابعُ: (( العَضْدُ ) )القطعُ، عضَدَ - بفتحِ الضَّادِ فِي الماضِي -يَعْضِدُ - بكسْرِ الضَّادِ، يدلُّ على تحريمِ قطعِ أشجارِ الحرَمِ، واتَّفقُوا عليهِ فيمَا لا يَسْتَنْبِتُهُ الآدميُّونَ فِي العادةِ، واختلفَ الفقهاءُ فيما يَسْتَنْبِتُهُ الآدميُّونَ, والحديثُ عامٌّ فِي عضدِ ما يسمَّى شجرًا.

الخامسُ: قد يُتوهَّمُ أن قولَه عليهِ السلامُ: (( لا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ) ). أنه يدلُّ علَى أن الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروعِ الشَّريعةِ. والصَّحيحُ عندَ أكثرِ الأصوليِّينَ: أنهمْ مُخَاطَبُونَ. وقال بعضُهمْ فِي الجوابِ عن هذَا التوهُّمِ: لأنَّ المؤمنَ هو الذي ينقادُ لأحكامِنَا، وينزجرُ عن محرَّماتِ شرعِنَا، ويستثمرُ أحكامَهُ. فجعلَ الكلامَ فيهِ، وليسَ فيهِ أنَّ غيرَ المؤمنِ لا يكونُ مخاطَبًا بالفروعِ.

وأقولُ: الذي أَراهُ أنَّ هذا الكلامَ من باب خِطابِ التَّهييجِ، فإنَّ مقتضاهُ: أنَّ استحلالَ هذا المنهيِّ عنهُ لا يليقُ بِمَنْ يؤمنُ باللهِ واليومِِ الآخِرِ، بلْ يُنَافِيهِ هذا هوَ المُقتضِي لذكرِ هذا الوصَفِ. ولو قيلَ: لا يحلُّ لأحدٍ مطلقًا، لمْ يحصُلْ بهِ الغرضُ. وخطابُ التَّهييجِ معلومٌ عندَ علماءِ البيانِ. ومنهُ قولُهُ تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنْتُمْ مؤْمِنِينَ) [المائدة: 23] إِلَى غيرِ ذَلِكَ.

السادسُ: فيهِ دليلٌ على أنَّ مكَّةَ فُتِحتْ عُنوةً. وهو مذهبُ الأكثرينَ. وقالَ الشافعيُّ وغيرُهُ: فُتِحَتْ صُلحًا، وقيلَ فِي تأويلِ الحديثِ: إنَّ القتالَ كانَ جائزًا لهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مكَّةَ فلو احتاجَ إليه لفعَلهُ, ولكن ما احتاجَ إليهِ.

وهذا التأويلُ: يُضعِّفُهُ قولُهُ عليهِ السَّلامُ: (( فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )فإنهُ يقتضِي وجودَ قتالٍ منهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهرًا. وأيضًا السِّيَرُ التي دلَّتْ على وقوعِ القتالِ، وقولُهُ عليهِ السَّلامُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت