فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 381

وَفِي أمْرِ معاويةَ بِذَلِكَ، المبادرةُ إِلَى امتثالِ السُّننِ وإشاعتِها، وَفِيْهِ جوازُ العملِ بالمكاتبةِ بالأحاديثِ، وإجرائِها مجرَى المسموعِ، والعملُ بالحظِّ فِي مثلِ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَ تغييرُه، وَفِيْهِ قبولُ خبرِ الواحدِ، وَهُوَ فردٌ من أفرادٍ لاَ تُحصَى، كَمَا قرَّرْنَاهُ فيمَا تقدِّمَ.

وقولُهُ: (( عن قِيلَ وَقَالَ ) )الأشهرُ فِيْهِ بفتحِ اللاَّمِ عَلَى سبيلِ الحكايةِ، وَهَذَا النَّهيُ لابدَّ مِن تقييدِه بالكثرةِ التي لاَ يُؤمَنُ معها وقوعُ الخَطَلِ والخطأِ، والتَّسبُّبُ إِلَى وقوعِ المفاسدِ مِن غيرِ تعيينٍ، والإِخبارُ بالأمورِ الباطلةِ، وَقَدْ ثبتَ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهُ قَالَ: (( كفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ مَا سَمِعَ ) )، وَقَالَ بعضُ السَّلفِ: لاَ يكونُ إمامًا مَن حَدَّث بكلِّ مَا سَمِعَ.

وَأَمَّا (( إضاعةُ المالِ ) )فحقيقتُه المتَّفَقُ عليهَا بذلُه فِي غيرِ مصلحةٍ دينيَّةٍ أَوْ دنيويَّةٍ، وَذَلِكَ ممنوعٌ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى جعلَ الأموالَ قيامًا لمصالحِ العبادِ، وَفِي تبذيرِهَا تفويتٌ لتلكَ المصالحِ، إمَّا فِي حقِّ مُضيِّعِهَا، أَوْ فِي حقِّ غيرِهِ، وَأَمَّا بذلُه وكثرةُ إنفاقِه فِي تحصيلِ مصالحِ الأُخرَى، فَلاَ يَمتنعُ مِن حَيْثُ هُوَ، وَقَدْ قالُوا: لاَ سرفَ فِي الخيرِ، وَأَمَّا إنفاقُه فِي مصالحِ الدُّنيَا، وملاذِّ النَّفسِ عَلَى وجهٍ لاَ يليقُ بحالِ المُنْفِقِ وقدرِ مالِهِ، فَفِي كونهِ سفهًا خلافٌ، والمشهورُ أنَّهُ سفَهٌ. وَقَالَ بعضُ الشافعيَّةِ: لَيْسَ بسفهٍ، لأنهُ يقومُ بِهِ مصالحُ البدنِ وملاذُّه، وَهُوَ غرضٌ صحيحٌ، وظاهرُ القرآنِ يمنعُ مِن ذَلِكَ، والأشهرُ فِي مثلِ هَذَا أنهُ مباحٌ، أعنِي إِذَا كَانَ الإِنفاقُ فِي غيرِ معصيةٍ، وَقَدْ نُوزعَ فِيْهِ.

وَأَمَّا (( كثرةُ السُّؤالِ ) )فَفِيْهِ وجهانِ: أحدُهُما: أنْ يكونَ ذَلِكَ راجعًا إِلَى الأمورِ العلميَّةِ، وَقَدْ كانُوا يَكْرَهُونَ تكلُّفَ المسائلِ التي لاَ تدعُو الحاجةُ إليهَا، وَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أعظمُ النَّاسِ جُرمًا عندَ اللهِ مَنْ سألَ عن شيءٍ لمْ يُحرَّمْ عَلَى المسلمينَ، فحُرِّمَ عليهمْ من أجلِ مسألتِهِ ) )، وَفِي حديثِ اللِّعانِ لمَّا سُئلَ عنِ الرَّجلِ يجدُ مَعَ امرأتِهِ رجلًا، فكرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسائلَ وعابَها، وَفِي حديثِ معاويةَ: (( نَهى عن الأغلوطاتِ ) )وهي شدادُ المسائلِ وصعابُها، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مكروهًا، لمَا يتضمَّنُ كثيرٌ مِنْهُ مِن التكلُّفِ فِي الدِّينِ والتنطُّعِ، والرَّجمِ بالظَّنِّ من غيرِ ضرورةٍ تدعُو إِلَيْهِ، مَعَ عدمِ الأمنِ منَ العثارِ، وخطأِ الظَّنِّ، والأصلُ المنعُ مِن الحكمِ بالظنِّ، إلاَّ حَيْثُ تدعُو الضَّرورةُ إِلَيْهِ.

الوجهُ الثَّانِي: أنْ يكونَ ذَلِكَ راجعًا إِلَى سؤالِ المالِ، وَقَدْ وردتْ أحاديثُ فِي تعظيمِ مسألةِ النَّاسِ، وَلاَ شكَّ أنَّ بعضَ سؤالِ النَّاسِ أموالَهم ممنوعٌ، وَذَلِكَ حَيْثُ يكونُ الإِعطاءُ بناءً عَلَى ظاهرِ الحالِ، ويكونُ الباطنُ خلافَه، أَوْ يكونُ السائلُ مخبرًا عن أمرٍ هُوَ كاذبٌ فِيْهِ، قَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يدلُّ عَلَى اعتبارِ ظاهرِ الحالِ فِي هَذَا، وَهُوَ مَا رُويَ: أنه ماتَ رجلٌ من أهلِ الصُّفَّةِ وتَرَكَ دينارينِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَيَّتَانِ ) )، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - واللهُ أعلمُ - لأنهمْ كانُوا فقراءَ مجرَّدينَ، يأخذونَ ويُتصدَّقُ عليهمْ بناءً عَلَى الفقرِ والعُدْمِ، وظهرَ أنَّ معهُ هذينِ الدينارينِ عَلَى خلافِ ظاهرِ حالِهِ. والمنقولُ عن مذهبِ الشَّافعيِّ جوازُ السؤالِ، فَإِذَا قِيلَ بِذَلِكَ، فيبنغِي النَّظرُ فِي تخصيصِ المنعِ بالكثرةِ، فإنهُ إن كانتِ الصُّورةُ تقتضِي المنعَ، فالسؤالُ ممنوعٌ كثيرُه وقليلُه، وإن لمْ تقتضِ المنعَ، فينبغِي حملُ هَذَا النَّهي عَلَى الكراهةِ للكثيرِ منَ السُّؤالِ، مَعَ أنهُ لاَ يخلُو السؤالُ مِن غيرِ حاجةٍ عن كراهةٍ، فتكونُ الكراهةُ فِي الكثرةِ أشدَّ، وتكونُ هي المخصوصةُ بالنَّهي.

وتبيَّنَ من هَذَا أنَّ مَن يَكرهُ السؤالَ مُطلقًا - حَيْثُ لاَ يحرُمُ - ينبغِي أن لاَ يَحملَ قولَه: (( كثرةَ السؤالِ ) )عَلَى الوجهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت